فصل: تفسير الآيات رقم (8- 14)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البحر المحيط في تفسير القرآن ***


سورة المجادلة

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 7‏]‏

‏{‏قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ‏(‏1‏)‏ الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ ‏(‏2‏)‏ وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ‏(‏3‏)‏ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏(‏4‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ ‏(‏5‏)‏ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ‏(‏6‏)‏ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ‏(‏7‏)‏‏}‏

قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏قد سمع‏}‏ بالبيان؛ وأبو عمرو وحمزة والكسائي وابن محيصن‏:‏ بالإدغام، قال خلف بن هشام البزار‏:‏ سمعت الكسائي يقول‏:‏ من قرأ قد سمع، فبين الدال عند السين، فلسانه أعجمي ليس بعربي، ولا يلتفت إلى هذا القول؛ فالجمهور على البيان‏.‏ والتي تجادل خولة بنت ثعلبة، ويقال بالتصغير، أو خولة بنت خويلد، أو خولة بنت حكيم، أو خولة بنت دليج، أو جميلة، أو خولة بنت الصامت، أقوال للسلف‏.‏ وأكثر الرواة على أن الزوج في هذه النازلة أوس بن الصامت أخو عبادة‏.‏ ‏"‏ وقيل‏:‏ سلمة بن صخر البياضي ظاهر من امرأته‏.‏ قالت زوجته‏:‏ يا رسول الله، أكل أوس شبابي ونثرت له بطني، فلما كبرت ومات أهلي ظاهر مني، فقال لها‏:‏ ‏"‏ ما أراك إلا قد حرمت عليه ‏"‏، فقالت‏:‏ يا رسول الله لا تفعل، فإني وحيدة ليس لي أهل سواه، فراجعها بمثل مقالته فراجعته، فهذا هو جدالها، وكانت في خلال ذلك تقول‏:‏ اللهم إن لي منه صبية صغاراً، إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إليّ جاعوا‏.‏ فهذا هو اشتكاؤها إلى الله، فنزل الوحي عند جدالها ‏"‏‏.‏ قالت عائشة رضي الله تعالى عنها‏:‏ سبحان من وسع سمعه الأصوات‏.‏ كان بعض كلام خولة يخفى عليّ، وسمع الله جدالها، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أوس وعرض عليه كفارة الظهار‏:‏ «العتق»، فقال‏:‏ ما أملك، و«الصوم»، فقال‏:‏ ما أقدر، و«الاطعام»، فقال‏:‏ لا أجد إلا أن تعينني، فأعانه صلى الله عليه وسلم بخمسة عشر صاعاً ودعا له، فكفر بالإطعام وأمسك أهله‏.‏ وكان عمر، رضي الله تعالى عنه، يكرم خولة إذا دخلت عليه ويقول‏:‏ قد سمع الله لها‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ معنى قد‏:‏ التوقع، لأنه صلى الله عليه وسلم والمجادلة كانا متوقعين أن يسمع الله مجادلتها وشكواها، وينزل في ذلك ما يفرح عنها‏.‏ انتهى‏.‏

وقرأ الحرميان وأبو عمرو‏:‏ يظهرون بشدّهما؛ والأخوان وابن عامر‏:‏ يظاهرون مضارع ظاهر؛ وأبيّ‏:‏ يتظاهرون، مضارع تظاهر؛ وعنه‏:‏ يتظهرون، مضارع تظهر؛ والمراد به كله الظهار، وهو قول الرجل لامرأته‏:‏ أنت عليّ كظهر أمي، يريد في التحريم، كأنه إشارة إلى الركوب، إذ عرفه في ظهور الحيوان‏.‏ والمعنى أنه لا يعلوها كما لا يعلو أمّه، ولذلك تقول العرب في مقابلة ذلك‏:‏ نزلت عن امرأتي، أي طلقتها‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏منكم‏}‏، إشارة إلى توبيخ العرب وتهجين عادتهم في الظهار، لأنه كان من إيمان أهل جاهليتهم خاصة دون سائر الأمم‏.‏

وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏أمهاتهم‏}‏، بالنصب على لغة الحجاز؛ والمفضل عن عاصم‏:‏ بالرفع على لغة تميم؛ وابن مسعود‏:‏ بأمهاتهم، بزيادة الباء‏.‏ قال الزمخشري‏:‏ في لغة من ينصب‏.‏ انتهى‏.‏ يعني أنه لا تزاد الباء في لغة تميم، وهذا ليس بشيء، وقد رد ذلك على الزمخشري‏.‏

وزيادة الباء في مثل‏:‏ ما زيد بقائم، كثير في لغة تميم، والزمخشري تبع في ذلك أبا عليّ الفارسي رحمه الله‏.‏ ولما كان معنى كظهر أمي‏:‏ كأمي في التحريم، ولا يراد خصوصية الظهر الذي هو من الجسد، جاء النفي بقوله‏:‏ ‏{‏ما هنّ أمّهاتهم‏}‏، ثم أكد ذلك بقوله‏:‏ ‏{‏إن أمّهاتهم‏}‏‏:‏ أي حقيقة، ‏{‏إلا اللائي ولدنهم‏}‏ وألحق بهنّ في التحريم أمّهات الرضاع وأمّهات المؤمنين أزواج الرسول صلى الله عليه وسلم، والزوجات لسن بأمّهات حقيقة ولا ملحقات بهنّ‏.‏ فقول المظاهر منكر من القول تنكره الحقيقة وينكره الشرع، وزور‏:‏ كذب باطل منحرف عن الحق، وهو محرم تحريم المكروهات جدّاً، فإذا وقع لزم، وقد رجى تعالى بعده بقوله‏:‏ ‏{‏وإن الله لعفو غفور‏}‏ مع الكفارة‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ ‏{‏وإن الله لعفو غفور‏}‏ لما سلف منه إذ تاب عنه ولم يعد إليه‏.‏ انتهى، وهي نزغة اعتزالية‏.‏

والظاهر أن الظهار لا يكون إلا بالأم وحدها‏.‏ فلو قال‏:‏ أنت عليّ كظهر أختي أو ابنتي، لم يكن ظهاراً، وهو قول قتادة والشعبي وداود، ورواية أبي ثور عن الشافعي‏.‏ وقال الجمهور‏:‏ الحسن والنخعي والزهري والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة ومالك والشافعي في قول هو ظهار، والظاهر أن الذمي لا يلزمه ظهاره لقوله‏:‏ ‏{‏منكم‏}‏، أي من المؤمنين وبه قال أبو حنيفة والشافعي لكونها ليست من نسائه‏.‏ وقال مالك‏:‏ يلزمه ظهاره إذا نكحها، ويصح من المطلقة الرجعية‏.‏ وقال‏:‏ المزني لا يصح‏.‏ وقال بعض العلماء‏:‏ لا يصح ظهار غير المدخول بها، ولو ظاهر من أمته التي يجوز له وطئها، لزمه عند مالك‏.‏ وقال أبو حنيفة والشافعي‏:‏ لا يلزم، وسبب الخلاف هو‏:‏ هل تندرج في نسائهم أم لا‏؟‏ والظاهر صحة ظهار العبد لدخوله في يظهرون منكم، لأنه من جملة المسلمين، وإن تعذر منه العتق والإطعام، فهو قادر على الصوم‏.‏ وحكى الثعلبي عن مالك أنه لا يصح ظهاره، وليست المرأة مندرجة في الذين يظهرون، فلو ظاهرت من زوجها لم يكن شيئاً‏.‏ وقال الحسن بن زياد‏:‏ تكون مظاهرة‏.‏ وقال الأوزاعي وعطاء وإسحاق وأبو يوسف‏:‏ إذا قالت لزوجها أنت عليّ كظهر فلانة، فهي يمين تكفرها‏.‏ وقال الزهري‏:‏ أرى أن تكفر كفارة الظاهر، ولا يحول قولها هذا بينها وبين زوجها أن يصيبها‏.‏

والظاهر أن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ثم يعودون لما قالوا‏}‏‏:‏ أن يعودوا للفظ الذي سبق منهم، وهو قول الرجل ثانياً‏:‏ أنت مني كظهر أمي، فلا تلزم الكفارة بالقول، وإنما تلزم بالثاني، وهذا مذهب أهل الظاهر‏.‏ وروي أيضاً عن بكير بن عبد الله بن الأشج وأبي العالية وأبي حنيفة‏:‏ وهو قول الفراء‏.‏ وقال طاووس وقتادة والزهري والحسن ومالك وجماعة‏:‏ ‏{‏لما قالوا‏}‏‏:‏ أي للوطء، والمعنى‏:‏ لما قالوا أنهم لا يعودون إليه، فإذا ظاهر ثم وطئ، فحينئذ يلزمه الكفارة، وإن طلق أو ماتت‏.‏

وقال أبو حنيفة ومالك أيضاً والشافعي وجماعة‏:‏ معناه يعودون لما قالوا بالعزم على الإمساك والوطء، فمتى عزم على ذلك لزمته الكفارة، طلق أو ماتت‏.‏ قال الشافعي‏:‏ العود الموجب للكفارة أن يمسك عن طلاقها بعد الظهار، ويمضي بعده زمان يمكن أن يطلقها فيه فلا يطلق‏.‏ وقال قوم‏:‏ المعنى‏:‏ والذين يظهرون من نسائهم في الجاهلية، أي كان الظهار عادتهم، ثم يعودون إلى ذلك في الإسلام، وقاله القتيبي‏.‏ وقال الأخفش‏:‏ فيه تقديم وتأخير، والتقدير‏:‏ فتحرير رقبة لما قالوا، وهذا قول ليس بشيء لأنه يفسد نظم الآية‏.‏

‏{‏فتحرير رقبة‏}‏، والظاهر أنه يجزئ مطلق رقبة، فتجزئ الكافرة‏.‏ وقال مالك والشافعي‏:‏ شرطها الإسلام، كالرقبة في كفارة القتل‏.‏ والظاهر إجزاء المكاتب، لأنه عبد ما بقي عليه درهم، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه‏:‏ وإن عتق نصفي عبدين لا يجزئ‏.‏ وقال الشافعي‏:‏ يجزئ‏.‏ ‏{‏من قبل أن يتماسا‏}‏‏:‏ لا يجوز للمظاهر أن يطأ حتى يكفر، فإن فعل عصى، ولا يسقط عنه التكفير‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ يلزمه كفارة أخرى‏.‏ وقيل‏:‏ تسقط الكفارة الواجبة عليه، ولا يلزمه شيء‏.‏ وحديث أوس بن الصامت يرد على هذا القول، وسواء كانت الكفارة بالعتق أم الصوم أم الإطعام‏.‏ وقال أبو حنيفة‏:‏ إذا كانت بالإطعام، جاز له أن يطأ ثم يطعم، وهو ظاهر قوله‏:‏ ‏{‏فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً‏}‏، إذ لم يقل فيه‏:‏ ‏{‏من قبل أن يتماسا‏}‏، وقيد ذلك في العتق والصوم‏.‏ والظاهر في التماس الحقيقة، فلا يجوز تماسهما قبلة أو مضاجعة أو غير ذلك من وجوه الاستمتاع، وهو قول مالك وأحد قولي الشافعي‏.‏ وقال الأكثرون‏:‏ هو الوطء، فيجوز له الاستمتاع بغيره قبل التكفير، وقاله الحسن والثوري، وهو الصحيح من مذهب الشافعي‏.‏ والضمير في ‏{‏يتماسا‏}‏ عائد على ما عاد عليه الكلام من المظاهر والمظاهر منها‏.‏ ‏{‏ذلكم توعظون به‏}‏‏:‏ إشارة إلى التحرير، أي فعل عظة لكم لتنتهوا عن الظهار‏.‏

‏{‏فمن لم يجد‏}‏‏:‏ أي الرقبة ولا ثمنها، أو وجدها، أو ثمنها، وكان محتاجاً إلى ذلك، فقال أبو حنيفة‏:‏ يلزمه العتق ولو كان محتاجاً إلى ذلك، ولا ينتقل إلى الصوم، وهو الظاهر‏.‏ وقال الشافعي‏:‏ ينتقل إلى الصوم‏.‏ والشهران بالأهلة، وإن جاء أحدهما ناقصاً، أو بالعدد لا بالأهلة، فيصوم إلى الهلال، ثم شهراً بالهلال، ثم يتم الأول بالعدد‏.‏ والظاهر وجوب التتابع، فإن أفطر بغير عذر استأنف، أو بعذر من سفر ونحوه‏.‏ فقال ابن المسيب وعطاء بن أبي رباح وعمرو بن دينار والشعبي ومالك والشافعي‏:‏ في أحد قوليه يبني‏.‏ وقال النخعي وابن جبير والحكم بن عيينة والثوري وأصحاب الرأي والشافعي‏:‏ في أحد قوليه‏.‏ والظاهر أنه إن وجد الرقبة بعد أن شرع في الصوم، أنه يصوم ويجزئه، وهو مذهب مالك والشافعي‏.‏ وقال أبو حنيفة وأصحابه‏:‏ يلزمه العتق، ولو وطئ في خلال الصوم بطل التتابع ويستأنف، وبه قال مالك وأبو حنيفة‏.‏

وقال الشافعي‏:‏ يبطل إن جامع نهاراً لا ليلاً‏.‏

‏{‏فمن لم يستطع‏}‏ لصوم لزمانة به، أو كونه يضعف به ضعفاً شديداً، كما جاء في حديث أوس لما قال‏:‏ هل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين‏؟‏ فقال‏:‏ والله يا رسول الله إني إذا لم آكل في اليوم والليلة ثلاث مرات كل بصري وخشيت أن تعشو عيني‏.‏ والظاهر مطلق الإطعام، وتخصصه ما كانت العادة في الإطعام وقت النزول، وهو ما يشبع من غير تحديد بمدّ‏.‏ ومذهب مالك أنه مد وثلث بالمدّ النبوي، ويجب استيعاب العدد ستين عند مالك والشافعي، وهو الظاهر‏.‏ وقال أبو حنيفة وأصحابه‏:‏ لو أطعم مسكيناً واحداً كل يوم نصف صاع حتى يكمل العدد أجزأه‏.‏ ‏{‏ذلك لتؤمنوا‏}‏، قال ابن عطية‏:‏ إشارة إلى الرجعة والتسهيل في الفعل من التحرير إلى الصوم والإطعام‏.‏ ثم شدّد تعالى بقوله‏:‏ ‏{‏وتلك حدود الله‏}‏‏:‏ أي فالزموها وقفوا عندها‏.‏ ثم توعد الكافرين بهذا الحكم الشرعي‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ ذلك البيان والتعليم للأحكام والتنبيه عليها، لتصدقوا بالله ورسوله في العمل بشرائعه التي شرعها في الظهار وغيره، ورفض ما كنتم عليه من جاهليتكم، ‏{‏وتلك حدود الله‏}‏ التي لا يجوز تعديها، ‏{‏وللكافرين‏}‏ الذين لا يتبعونها ولا يعملون عليها ‏{‏عذاب أليم‏}‏‏.‏ انتهى‏.‏

‏{‏إن الذين يحادون الله ورسوله‏}‏‏:‏ نزلت في مشركي قريش، أخزوا يوم الخندق بالهزيمة، كما أخزى من قاتل الرسل من قبلهم‏.‏ ولما ذكر المؤمنين الواقفين عند حدوده، ذكر المحادّين المخالفين لها، والمحادة‏:‏ المعاداة والمخالفة في الحدود‏.‏ ‏{‏كبتوا‏}‏، قال قتادة‏:‏ أخزوا‏.‏ وقال السدي‏:‏ لعنوا‏.‏ قيل‏:‏ وهي لغة مذحج‏.‏ وقال ابن زيد وأبو روق‏:‏ ردّوا مخذولين‏.‏ وقال الفراء‏:‏ غيظوا يوم الخندق‏.‏ ‏{‏كما كبت الذين من قبلهم‏}‏‏:‏ أي من قاتل الأنبياء‏.‏ وقيل‏:‏ يوم بدر‏.‏ وقال أبو عبيدة والأخفش‏:‏ أهلكوا‏.‏ وعن أبي عبيدة‏:‏ التاء بدل من الدال، أي كبدوا‏:‏ أصابهم داء في أكبادهم‏.‏ قيل‏:‏ والذين من قبلهم منافقو الأمم‏.‏ قيل‏:‏ وكبتوا بمعنى سيكبتون، وهي بشارة للمؤمنين بالنصر‏.‏ وعبر بالماضي لتحقق وقوعه، وتقدّم الكلام في مادة كبت في آل عمران‏.‏

‏{‏وقد أنزلنا آيات بينات‏}‏ على صدق محمد صلى الله عليه وسلم، وصحة ما جاء به‏.‏ ‏{‏وللكافرين‏}‏‏:‏ أي الذين يحادّونه، ‏{‏عذاب مهين‏}‏‏:‏ أي يهينهم ويذلهم‏.‏ والناصب ليوم يبعثهم العامل في للكافرين أو مهين أو اذكر أو يكون على أنه جواب لمن سأل متى يكون عذاب هؤلاء‏؟‏ فقيل له‏:‏ ‏{‏يوم يبعثهم الله‏}‏‏:‏ أي يكون يوم يبعثهم الله، وانتصب ‏{‏جميعاً‏}‏ على الحال‏:‏ أي مجتمعين في صعيد واحد، أو معناه كلهم، إذ جميع يحتمل ذينك المعنيين؛ ‏{‏فينبئهم بما عملوا‏}‏، تخجيلاً لهم وتوبيخاً‏.‏ ‏{‏أحصاه‏}‏ بجميع تفاصيله وكميته وكيفيته وزمانه ومكانه‏.‏ ‏{‏ونسوه‏}‏ لاستحقارهم إياه واحتقارهم أنه لا يقع عليه حساب‏.‏

‏{‏شهيد‏}‏‏:‏ لا يخفى عليه شيء‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ما يكون بالياء؛ وأبو جعفر وأبو حيوة وشيبة‏:‏ بالتاء لتأنيث النجوى‏.‏

قال صاحب اللوامح‏:‏ وإن شغلت بالجار، فهي بمنزلة‏:‏ ما جاءتني من امرأة، إلا أن الأكثر في هذا الباب التذكير على ما في العامة، يعني القراءة العامة، قال‏:‏ لأنه مسند إلى ‏{‏من نجوى‏}‏ وهو يقتضي الجنس، وذلك مذكر‏.‏ انتهى‏.‏ وليس الأكثر في هذا الباب التذكير، لأن من زائدة‏.‏ فالفعل مسند إلى مؤنث، فالأكثر التأنيث، وهو القياس، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وما تأتيهم من آية من آيات ربهم‏}‏ ‏{‏ما تسبق من أمة أجلها‏}‏ ويكون هنا تامة، ونجوى احتمل أن تكون مصدراً مضافاً إلى ثلاثة، أي من تناجي ثلاثة، أو مصدراً على حذف مضاف، أي من ذوي نجوى، أو مصدراً أطلق على الجماعة المتناجين، فثلاثة‏:‏ على هذين التقديرين‏.‏ قال ابن عطية‏:‏ بدل أو صفة‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ صفة‏.‏ وقرأ ابن أبي عبلة ثلاثة وخمسة بالنصب على الحال، والعامل يتناجون مضمرة يدل عليه نجوى‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ أو على تأويل نجوى بمتناجين ونصبها من المستكن فيه‏.‏ وقال ابن عيسى‏:‏ كل سرار نجوى‏.‏ وقال ابن سراقة‏:‏ السرار ما كان بين اثنين، والنجوى ما كان بين أكثر‏.‏ قيل‏:‏ نزلت في المنافقين، واختص الثلاثة والخمسة لأن المنافقين كانوا يتناجون على هذين العددين مغايظة لأهل الإيمان؛ والجملة بعد إلا في المواضع الثلاثة في موضع الحال، وكونه تعالى رابعهم وسادسهم ومعهم بالعلم وإدراك ما يتناجون به‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ نزلت في ربيعة وحبيب ابني عمرو وصفوان بن أمية، تحدّثوا فقال أحدهم‏:‏ أترى الله يعلم ما نقول‏؟‏ فقال الآخر‏:‏ يعلم بعضاً ولا يعلم بعضاً، فقال الثالث‏:‏ إن كان يعلم بعضاً فهو يعلمه كله‏.‏

‏{‏ولا أدنى من ذلك‏}‏‏:‏ إشارة إلى الثلاثة والخمسة، والأدنى من الثلاثة الاثنين، ومن الخمسة الأربعة؛ ولا أكثر يدل على ما يلي الستة فصاعداً‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏ولا أكثر‏}‏ عطفاً على لفظ المخفوض؛ والحسن وابن أبي إسحاق والأعمش وأبو حيوة وسلام ويعقوب‏:‏ بالرفع عطفاً على موضع نجوى إن أريد به المتناجون، ومن جعله مصدراً محضاً على حذف مضاف، أي ولا نجوى أدنى، ثم حذف وأقيم المضاف إليه مقامه فأعرب بإعرابه‏.‏ ويجوز أن يكون ‏{‏ولا أدنى‏}‏ مبتدأ، والخبر ‏{‏إلا هو معهم‏}‏، فهو من عطف الجمل، وقرأ الحسن أيضاً ومجاهد والخليل بن أحمد ويعقوب أيضاً‏:‏ ولا أكبر بالباء بواحدة والرفع، واحتمل الإعرابين‏:‏ العطف على الموضع والرفع بالابتداء‏.‏ وقرئ‏:‏ ‏{‏ينبئهم‏}‏ بالتخفيف والهمز؛ وزيد بن علي‏:‏ بالتخفيف وترك الهمز وكسر الهاء؛ والجمهور‏:‏ بالتشديد والهمز وضم الهاء‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏8- 11‏]‏

‏{‏أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ ‏(‏8‏)‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ‏(‏9‏)‏ إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ‏(‏10‏)‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ‏(‏11‏)‏‏}‏

نزلت ‏{‏ألم تر‏}‏ في اليهود والمنافقين‏.‏ كانوا يتناجون دون المؤمنين، وينظرون إليهم ويتغامزون بأعينهم عليهم، موهمين المؤمنين من أقربائهم أنهم أصابهم شر، فلا يزالون كذلك حتى يقدم أقرباؤهم‏.‏ فلما كثر ذلك منهم، شكا المؤمنون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمرهم أن لا يتناجوا دون المؤمنين، فلم ينتهوا، فنزلت، قاله ابن عباس‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ نزلت في اليهود‏.‏ وقال ابن السائب‏:‏ في المنافقين‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏ويتناجون‏}‏؛ وحمزة وطلحة والأعمش ويحيى بن وثاب ورويس‏:‏ وينتجون مضارع انتجى‏.‏ ‏{‏بما لم يحيك به الله‏}‏‏:‏ كانوا يقولون‏:‏ السام عليك، وهو الموت؛ فيرد عليهم‏:‏ وعليكم‏.‏ وتحية الله لأنبيائه‏:‏ ‏{‏وسلام على عباده الذين اصطفى‏}‏ ‏{‏لولا يعذبنا الله بما نقول‏}‏‏:‏ أي إن كان نبياً، فما له لا يدعو علينا حتى نعذب بما نقول‏؟‏ فقال تعالى‏:‏ ‏{‏حسبهم جهنم‏}‏‏.‏

ثم نهى المؤمنين أن يكون تناجيهم مثل تناجي الكفار، وبدأ بالإثم لعمومه، ثم بالعدوان لعظمته في النفوس، إذ هي ظلامات العباد‏.‏ ثم ترقى إلى ما هو أعظم، وهو معصية الرسول عليه الصلاة والسلام، وفي هذا طعن على المنافقين، إذ كان تناجيهم في ذلك‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏فلا تتناجوا‏}‏، وأدغم ابن محيصن التاء في التاء‏.‏ وقرأ الكوفيون والأعمش وأبو حيوة ورويس‏:‏ فلا تنتجوا مضارع انتجى؛ والجمهور‏:‏ بضم عين العدوان؛ وأبو حيوة بكسرها حيث وقع؛ والضحاك‏:‏ ومعصيات الرسول على الجمع‏.‏ والجمهور‏:‏ على الإفراد‏.‏ وقرأ عبد الله‏:‏ إذا انتجيتم فلا تنتجوا‏.‏ وأل في ‏{‏إنما النجوى‏}‏ للعهد في نجوى الكفار ‏{‏بالإثم والعدوان‏}‏، وكونها ‏{‏من الشيطان‏}‏، لأنه هو الذي يزينها لهم، فكأنها منه‏.‏

‏{‏ليحزن الذين آمنوا‏}‏‏:‏ كانوا يوهمون المؤمنين أن غزاتهم غلبوا وأن أقاربهم قتلوا‏.‏ ‏{‏وليس‏}‏‏:‏ أي التناجي أو الشيطان أو الحزن، ‏{‏بضارهم‏}‏‏:‏ أي المؤمنين، ‏{‏إلا بإذن الله‏}‏‏:‏ أي بمشيئته، فيقضي بالقتل أو الغلبة‏.‏ وقال ابن زيد‏:‏ هي نجوى قوم من المسلمين يقصدون مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وليس لهم حاجة ولا ضرورة‏.‏ يريدون التبجح بذلك، فيظن المسلمون أن ذلك في أخبار بعد وقاصداً نحوه‏.‏ وقال عطية العوفي‏:‏ نزلت في المناجاة التي يراها المؤمن في النوم تسوءه، فكأنه نجوى يناجي بها‏.‏ انتهى‏.‏ ولا يناسب هذا القول ما قبل الآية ولا ما بعدها، وتقدمت القراءتان في نحو‏:‏ ‏{‏ليحزن‏}‏‏.‏ وقرئ‏:‏ بفتح الياء والزاي، فيكون ‏{‏الذين‏}‏ فاعلاً، وفي القراءتين مفعولاً‏.‏

ولما نهى تعالى المؤمنين عن ما هو سبب للتباغض والتنافر، أمرهم بما هو سبب للتواد والتقارب، فقال‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا‏}‏ الآية‏.‏ قال مجاهد وقتادة والضحاك‏:‏ كانوا يتنافسون في مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم، فأمروا أن يفسح بعضهم لبعض‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ المراد مجالس القتال إذا اصطفوا للحرب‏.‏ وقال الحسن ويزيد بن أبي حبيب‏:‏ كان الصحابة يتشاحون على الصف الأول، فلا يوسع بعضهم لبعض رغبة في الشهادة، فنزلت‏.‏

وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏تفسحوا‏}‏؛ وداود بن أبي هند وقتادة وعيسى‏:‏ تفاسحوا‏.‏ والجمهور‏:‏ في المجلس؛ وعاصم وقتادة وعيسى‏:‏ ‏{‏في المجالس‏}‏‏.‏ وقرئ‏:‏ في المجلس بفتح اللام، وهو الجلوس، أي توسعوا في جلوسكم ولا تتضايقوا فيه‏.‏ والظاهر أن الحكم مطرد في المجالس التي للطاعات، وإن كان السبب مجلس الرسول‏.‏ وقيل‏:‏ الآية مخصوصة بمجلس الرسول عليه الصلاة والسلام، وكذا مجالس العلم؛ ويؤيده قراءة من قرأ ‏{‏في المجالس‏}‏، ويتأول الجمع على أن لكل أحد مجلساً في بيت الرسول صلى الله عليه وسلم‏.‏ وانجزم ‏{‏يفسح الله‏}‏ على جواب الأمر في رحمته، أو في منازلكم في الجنة، أو في قبوركم، أو في قلوبكم، أو في الدنيا والآخرة، أقوال‏.‏

‏{‏وإذا قيل انشزوا‏}‏‏:‏ أي انهضوا في المجلس للتفسح، لأن مريد التوسعة على الوارد يرتفع إلى فوق فيتسع الموضع‏.‏ أمروا أولاً بالتفسح، ثم ثانياً بامتثال الأمر فيه إذا ائتمروا‏.‏ وقال الحسن وقتادة والضحاك‏:‏ معناه‏:‏ إذا دعوا إلى قتال وصلاة أو طاعة نهضوا‏.‏ وقيل‏:‏ إذا دعوا إلى القيام عن مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم نهضوا، إذ كان عليه الصلاة والسلام أحياناً يؤثر الانفراد في أمر الإسلام‏.‏ وقرأ أبو جعفر وشيبة والأعرج وابن عامر ونافع وحفص‏:‏ بضم السين في اللفظين؛ والحسن والأعمش وطلحة وباقي السبعة‏:‏ بكسرها‏.‏ والظاهر أن قوله‏:‏ ‏{‏والذين أوتوا العلم‏}‏ معطوف على ‏{‏الذين آمنوا‏}‏، والعطف مشعر بالتغاير، وهو من عطف الصفات، والمعنى‏:‏ يرفع الله المؤمنين العلماء درجات، فالوصفان لذات واحدة‏.‏ وقال ابن مسعود وغيره‏:‏ تم الكلام عند قوله‏:‏ ‏{‏منكم‏}‏، وانتصب ‏{‏والذين أوتوا العلم‏}‏ بفعل مضمر تقديره‏:‏ ويخص الذين أوتوا العلم درجات، فللمؤمنين رفع، وللعلماء درجات‏.‏

وقرأ عياش عن أبي عمرو خبير‏:‏ بما يعملون بالياء من تحت، والجمهور بالتاء‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏12- 22‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏12‏)‏ أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ‏(‏13‏)‏ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ‏(‏14‏)‏ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏15‏)‏ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ‏(‏16‏)‏ لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ‏(‏17‏)‏ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ ‏(‏18‏)‏ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ ‏(‏19‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ ‏(‏20‏)‏ كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ‏(‏21‏)‏ لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ‏(‏22‏)‏‏}‏

‏{‏بين يدي نجواكم‏}‏‏:‏ استعارة والمعنى‏:‏ قبل نجواكم‏.‏ وعن ابن عباس وقتادة‏:‏ أن قوماً من المؤمنين وأغفالهم كثرت مناجاتهم للرسول عليه الصلاة والسلام في غير جاحة إلا لتظهر منزلتهم وكان صلى الله عليه وسلم سمحاً لا يرد أحداً فنزلت مشددة عليهم أمر المناجاة‏.‏ وهذا الحكم قيل‏:‏ نسخ قبل العمل به‏.‏ وقال قتادة‏:‏ عمل به ساعة من نهار‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ عشرة أيام‏.‏ وقال عليّ كرم الله وجهه‏:‏ ما عمل به أحد غيري أردت المناجاة ولي دينار فصرفته بعشرة دراهم وناجيت عشر مرار أتصدق في كل مرة بدرهم ثم ظهرت مشقة ذلك على الناس فنزلت الرخصة في ترك الصدقة‏.‏ وقرئ‏:‏ صدقات بالجمع‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ هي منسوخة بالآية التي بعدها‏.‏ وقيل بآية الزكاة‏.‏ ‏{‏أأشفقتم‏}‏‏:‏ أخفتم من ذهاب المال في الصدقة أو من العجز عن وجودها تتصدقون به‏؟‏ ‏{‏فإذ لم تفعلوا‏}‏‏:‏ ما أمرتم به ‏{‏وتاب الله عليكم‏}‏‏:‏ عذركم ورخص لكم في أن لا تفعلوا فلا تفرطوا في الصلاة والزكاة وأفعال الطاعات‏.‏

‏{‏الذين تولوا‏}‏‏:‏ هم المنافقون، والمغضوب عليهم‏:‏ هم اليهود، عن السدي ومقاتل، ‏"‏ أنه صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه‏:‏ يدخل عليكم رجل قلبه قلب جبار وينظر بعيني شيطان، فدخل عبد الله بن أبي بن سلول، وكان أزرق أسمر قصيراً، خفيف اللحية، فقال عليه الصلاة والسلام‏:‏ علام تشتمني أنت وأصحابك‏؟‏ فحلف بالله ما فعل، فقال عليه الصلاة والسلام له‏:‏ «فعلت»، فجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما سبوه ‏"‏، فنزلت‏.‏ والضمير في ‏{‏ما هم‏}‏ عائد على ‏{‏الذين تولوا‏}‏، وهم المنافقون‏:‏ أي ليسوا منكم أيها المؤمنون، ‏{‏ولا منهم‏}‏‏:‏ أي ليسوا من الذين تولوهم، وهم اليهود‏.‏ وما هم استئناف إخبار بأنهم مذبذبون، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، كما قال عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏"‏ مثل المنافق مثل الشاة العائرة بين الغنمين لأنه مع المؤمنين بقوله ومع الكفار بقلبه ‏"‏ وقال ابن عطية‏:‏ يحتمل تأويلاً آخر، وهو أن يكون قوله‏:‏ ‏{‏ما هم‏}‏ يريد به اليهود، وقوله‏:‏ ‏{‏ولا منهم‏}‏ يريد به المنافقين، فيجيء فعل المنافقين على هذا التأويل أحسن، لأنهم تولوا مغضوباً عليهم، ليسوا من أنفسهم فيلزمهم ذمامهم، ولا من القوم المحقين فتكون الموالاة صواباً‏.‏ انتهى‏.‏ والظاهر التأويل الأول، لأن الذين تولوا هم المحدث عنهم‏.‏ والضمير في ‏{‏ويحلفون‏}‏ عائد عليهم، فتتناسق الضمائر لهم ولا تختلف‏.‏ وعلى هذا التأويل يكون ‏{‏ما هم‏}‏ استئنافاً، وجاز أن يكون حالاً من ضمير ‏{‏تولوا‏}‏‏.‏ وعلى احتمال ابن عطية، يكون ‏{‏ما هم‏}‏ صفة لقوم‏.‏ ‏{‏ويحلفون على الكذب‏}‏، إما أنهم ما سبوا، كما روي في سبب النزول، أو على أنهم مسلمون‏.‏ والكذب هو ما ادعوه من الإسلام‏.‏ ‏{‏وهم يعلمون‏}‏‏:‏ جملة حالية يقبح عليهم، إذ حلفوا على خلاف ما أبطنوا، فالمعنى‏:‏ وهم عالمون متعمدون له‏.‏

والعذاب الشديد‏:‏ المعد لهم في الآخرة‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏أيمانهم‏}‏ جمع يمين؛ والحسن‏:‏ إيمانهم، بكسر الهمزة‏:‏ أي ما يظهرون من الإيمان، ‏{‏جنة‏}‏‏:‏ أي ما يتسترون به ويتقون المحدود، وهو الترس، ‏{‏فصدوا‏}‏‏:‏ أي أعرضوا، أو صدوا الناس عن الإسلام، إذ كانوا يثبطون من لقوا عن الإسلام ويضعفون أمر الإيمان وأهله، أو صدوا المسلمين عن قتلهم بإظهار الإيمان، وقتلهم هو سبيل الله فيهم، لكن ما أظهروه من الإسلام صدوا به المسلمين عن قتلهم‏.‏

‏{‏لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً‏}‏‏:‏ تقدم الكلام على هذه الجملة في أوائل آل عمران‏.‏ ‏{‏فيحلفون له‏}‏‏:‏ أي لله تعالى‏.‏ ألا ترى إلى قولهم‏:‏ ‏{‏والله ربنا ما كنا مشركين‏}‏ ‏{‏كما يحلفون لكم‏}‏ أنهم مؤمنون، وليسوا بمؤمنين‏.‏ والعجب منهم، كيف يعتقدون أن كفرهم يخفى على عالم الغيب والشهادة، ويجرونه مجرى المؤمنين في عدم اطلاعهم على كفرهم ونفاقهم‏؟‏ والمقصود أنهم مقيمون على الكذب، قد تعودوه حتى كان على ألسنتهم في الآخرة كما كان في الدنيا، ‏{‏ويحسبون أنهم على شيء‏}‏‏:‏ أي شيء نافع لهم‏.‏

‏{‏استحوذ عليهم الشيطان‏}‏‏:‏ أي أحاط بهم من كل جهة، وغلب على نفوسهم واستولى عليها، وتقدمت هذه المادة في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ألم نستحوذ عليكم‏}‏ في النساء، وأنها من حاذ الحمار العانة إذا ساقها، وجمعها غالباً لها، ومنه كان أحوذياً نسيج وحده‏.‏ وقرأ عمر‏:‏ استحاذ، أخرجه على الأصل والقياس، واستحوذ شاذ في القياس فصيح في الاستعمال‏.‏ ‏{‏فأنساهم ذكر الله‏}‏‏:‏ فهم لا يذكرونه، لا بقلوبهم ولا بألسنتهم؛ و‏{‏حزب الشيطان‏}‏‏:‏ جنده، قاله أبو عبيدة‏.‏ ‏{‏أولئك في الأذلين‏}‏‏:‏ هي أفعل التفضيل، أي في جملة من هو أذل خلق الله تعالى، لا ترى أحداً أذل منهم‏.‏

وعن مقاتل‏:‏ لما فتح الله مكة للمؤمنين، والطائف وخيبر وما حولهم، قالوا‏:‏ نرجو أن يظهرنا الله على فارس والروم، فقال عبد الله بن أبي‏:‏ أتظنون الروم وفارس كبعض القرى التي غلبتم عليها‏؟‏ والله إنهم لأكثر عدداً وأشد بطشاً من أن تظنوا فيهم ذلك، فنزلت‏:‏ ‏{‏كتب الله لأغلبن أنا ورسلي‏}‏‏:‏ ‏{‏كتب‏}‏‏:‏ أي في اللوح المحفوظ، أو قضى‏.‏ وقال قتادة‏:‏ بمعنى قال، ‏{‏ورسلي‏}‏‏:‏ أي من بعثت منهم بالحرب ومن بعثت منهم بالحجة‏.‏ ‏{‏إن الله قوي‏}‏‏:‏ ينصر حزبه، ‏{‏عزيز‏}‏‏:‏ يمنعه من أن يذل‏.‏

‏{‏لا تجد قوماً‏}‏، قال الزمخشري، من باب التخييل‏:‏ خيل أن من الممتنع المحال أن تجد قوماً مؤمنين يوادون المشركين، والغرض منه أنه لا ينبغي أن يكون ذلك، وحقه أن يمتنع، ولا يوجد بحال مبالغة في النهي عنه والزجر عن ملابسته والتصلب في مجانبة أعداء الله‏.‏ وزاد ذلك تأكيداً بقوله‏:‏ ‏{‏ولو كانوا آباءهم‏}‏‏.‏ انتهى‏.‏ وبدأ بالآباء لأنهم الواجب على الأولاد طاعتهم، فنهاهم عن موادتهم‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً‏}‏ ثم ثنى بالأبناء لأنهم أعلق بالقلوب، ثم أتى ثالثاً بالإخوان لأنهم بهم التعاضد، كما قيل‏:‏

أخاك أخاك إن من لا أخاً له *** كساع إلى الهيجاء بغير سلاح

ثم رابعاً بالعشيرة، لأن بها التناصر، وبهم المقاتلة والتغلب والتسرع إلى ما دعوا إليه، كما قال‏:‏

لا يسألون أخاهم حين يندبهم *** في النائبات على ما قال برهاناً

وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏كتب‏}‏ مبنياً للفاعل، ‏{‏في قلوبهم الإيمان‏}‏ نصباً، أي كتب الله‏.‏ وأبو حيوة والمفضل عن عاصم‏:‏ كتب مبنياً للمفعول، والإيمان رفع‏.‏ والجمهور‏:‏ ‏{‏أو عشيرتهم‏}‏ على الإفراد؛ وأبو رجاء‏:‏ على الجمع، والمعنى‏:‏ أثبت الإيمان في قلوبهم وأيدهم بروح منه تعالى، وهو الهدى والنور واللطف‏.‏ وقيل‏:‏ الروح‏:‏ القرآن‏.‏ وقيل‏:‏ جبريل يوم بدر‏.‏ وقيل‏:‏ الضمير في منه عائد على الإيمان، والإنسان في نفسه روح يحيا به المؤمن، والإشارة بأولئك كتب إلى الذين لا يوادّون من حادّ الله ورسوله‏.‏ قيل‏:‏ والآية نزلت في أبي حاطب بن أبي بلتعة‏.‏ وقيل‏:‏ الظاهر أنها متصلة بالآي التي في المنافقين الموالين لليهود‏.‏ وقيل‏:‏ ‏"‏ نزلت في ابن أبيّ وأبي بكر الصديق، رضى الله تعالى عنه، كان منه سب للرسول صلى الله عليه وسلم، فصكه أبو بكر صكة سقط منها، فقال له الرسول عليه الصلاة والسلام‏:‏ «أوفعلته»‏؟‏ قال‏:‏ نعم، قال‏:‏ «لا تعد»، قال‏:‏ والله لو كان السيف قريباً مني لقتلته ‏"‏ وقيل‏:‏ في أبي عبيدة بن الجراح، قتل أباه عبد الله بن الجراح يوم أُحد، وفي أبي بكر دعا ابنه يوم بدر إلى البراز، وفي مصعب بن عمير قتل أخاه بن عمير يوم أُحد‏.‏ وقال ابن شوذب‏:‏ يوم بدر، وفي عمر قتل خاله العاصي بن هشام يوم بدر، وفي عليّ وحمزة وعبيد بن الحارث، قتلوا عتبة وشيبة ابني ربيعة، والوليد بن عتبة يوم بدر‏.‏ وقال الواقدي في قصة أبي عبيدة أنه قتل أباه، قال‏:‏ كذلك يقول أهل الشام، وقد سألت رجالاً من بني فهر فقالوا‏:‏ توفي أبوه قبل الإسلام‏.‏ انتهى، يعنون في الجاهلية قبل ظهور الإسلام‏.‏ وقد رتب المفسرون‏.‏ ‏{‏ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم‏}‏ على قصة أبي عبيدة وأبي بكر ومصعب وعمر وعليّ وحمزة وعبيد مع أقربائهم، والله تعالى أعلم‏.‏

سورة الحشر

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 7‏]‏

‏{‏سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ‏(‏1‏)‏ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ ‏(‏2‏)‏ وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ ‏(‏3‏)‏ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ‏(‏4‏)‏ مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ ‏(‏5‏)‏ وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏(‏6‏)‏ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ‏(‏7‏)‏‏}‏

وتقدم الكلام في تسبيح الجمادات التي يشملها العموم المدلول عليه بما، ‏{‏من أهل الكتاب‏}‏‏:‏ هم قريظة، وكانت قبيلة عظيمة توازن في القدر والمنزلة بني النضير، ويقال لهما الكاهنان، لأنهما من ولد الكاهن بن هارون، نزلوا قريباً من المدينة في فتن بني إسرائيل، انتظاراً لمحمد صلى الله عليه وسلم، فكان من أمرهم ما قصه الله تعالى في كتابه‏.‏ ‏{‏من ديارهم‏}‏‏:‏ يتعلق بأخرج، و‏{‏من أهل الكتاب‏}‏ يتعلق بمحذوف، أي كائنين من أهل الكتاب‏.‏ وصحت الإضافة إليهم لأنهم كانوا ببرية لا عمران فيها، فبنوا فيها وأنشأوا‏.‏ واللام في ‏{‏لأول الحشر‏}‏ تتعلق بأخرج، وهي لام التوقيت، كقوله‏:‏ ‏{‏لدلوك الشمس‏}‏ والمعنى‏:‏ عند أول الحشر، والحشر‏:‏ الجمع للتوجيه إلى ناحية مّا‏.‏ والجمهور‏:‏ إلى أن هؤلاء الذين أخرجوا هم بنو النضير‏.‏ وقال الحسن‏:‏ هم بنو قريظة؛ ورد هذا بأن بني قريظة ما حشروا ولا أجلوا وإنما قتلوا، وهذا الحشر هو بالنسبة لإخراج بني النضير‏.‏ وقيل الحشر هو حشر رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتائب لقتالهم، وهو أول حشر منه لهم، وأول قتال قاتلهم‏.‏ وأول يقتضي ثانياً، فقيل‏:‏ الأول حشرهم للجلاء، والثاني حشر عمر لأهل خيبر وجلاؤهم‏.‏ وقد أخبر عليه الصلاة والسلام بجلاء أهل خيبر بقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «لا يبقين دينان في جزيرة» وقال الحسن‏:‏ أراد حشر القيامة، أي هذا أوله، والقيام من القبور آخره‏.‏ وقال عكرمة والزهري‏:‏ المعنى‏:‏ الأول موضع الحشر، وهو الشام‏.‏ وفي الحديث، أنه عليه الصلاة والسلام قال لبني النضير‏:‏ «اخرجوا، قالوا‏:‏ إلى أين‏؟‏ قال‏:‏ إلى أرض المحشر» وقيل‏:‏ الثاني نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وهذا الجلاء كان في ابتداء الإسلام، وأما الآن فقد نسخ، فلا بد من القتل والسبي أو ضرب الجزية‏.‏

‏{‏ما ظننتم أن يخرجوا‏}‏، لعظم أمرهم ومنعتهم وقوتهم ووثاقة حصونهم وكثرة عددهم وعددهم‏.‏ ‏{‏وظنوا أنهم‏}‏ تمنعهم حصونهم من حرب الله وبأسه‏.‏ ولما كان ظن المؤمنين منفياً هنا، أجري مجرى نفي الرجاء والطمع، فتسلط على أن الناصبة للفعل، كما يتسلط الرجاء والطمع‏.‏ ولما كان ظن اليهود قوياً جداً يكاد أن يلحق بالعلم تسلط على أن المشددة، وهي التي يصحبها غالباً فعل التحقيق، كعلمت وتحققت وأيقنت، وحصونهم الوصم والميضاة والسلاليم والكثيبة‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ فإن قلت‏:‏ أي فرق بين قولك‏:‏ وظنوا أن حصونهم تمنعهم أو مانعتهم، وبين النظم الذي جاء عليه‏؟‏ قلت‏:‏ في تقديم الخبر على المبتدأ دليل على فرط وثوقهم بحصانتها ومنعها إياهم، وفي تصيير ضميرهم اسماً لأن وإسناد الجملة إليه دليل على اعتقادهم في انفسهم أنهم في عزة ومنعة لا يبالي معها بأحد يتعرض لهم أو يطمع في معازتهم، وليس ذلك في قولك‏:‏ وظنوا أن حصونهم تمنعهم‏.‏

انتهى، يعني أن حصونهم هو المبتدأ، ومانعتهم الخبر، ولا يتعين هذا، بل الراجح أن يكون حصونهم فاعلة بمانعتهم، لأن في توجيهه تقديماً وتأخيراً، وفي إجازة مثله من نحو‏:‏ قائم زيد، على الابتداء، والخبر خلاف؛ ومذهب أهل الكوفة منعه‏.‏

‏{‏فأتاهم الله‏}‏‏:‏ أي بأسه، ‏{‏من حيث لم يحتسبوا‏}‏‏:‏ أي لم يكن في حسابهم، وهو قتل رئيسهم كعب بن الأشرف، قاله السدي وأبو صالح وابن جريج، وذلك مما أضعف قوتهم‏.‏ ‏{‏وقذف في قلوبهم الرعب‏}‏، فسلب قلوبهم الأمن والطمأنينة حتى نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ‏{‏يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين‏}‏، قال قتادة‏:‏ خرب المؤمنون من خارج ليدخلوا، وخربوا هم من داخل ونحوه‏.‏ قال الضحاك والزجاج وغيرهما‏:‏ كانوا كلما خرب المسلمون من حصونهم، هدموا هم من البيوت، خربوا الحصن‏.‏ وقال الزهري وغيره‏:‏ كانوا، لما أبيح لهم ما تستقل به الإبل، لا يدعون خشبة حسنة ولا سارية إلا قلعوها وخربوا البيوت عنها، فيكون قوله‏:‏ ‏{‏وأيدي المؤمنين‏}‏ إسناد التخريب إليها من حيث كان المؤمنون محاصرتهم إياهم داعية إلى ذلك‏.‏ وقيل‏:‏ شحوا على بقائها سليمة، فخربوها إفساداً‏.‏ وقرأ قتادة والجحدري ومجاهد وأبو حيوة وعيسى وأبو عمر‏:‏ ويخربون مشدّداً؛ وباقي السبعة مخففاً، والقراءتان بمعنى واحد عدى خرب اللازم بالتضعيف وبالهمزة‏.‏ وقال صاحب الكامل في القراءات؛ التشديد الاختيار على التكثير‏.‏ وقال أبو عمرو بن العلاء‏:‏ خرب بمعنى هدم وأفسد، وأخرب‏:‏ ترك الموضع خراباً وذهب عنه‏.‏ ‏{‏فاعتبروا‏}‏‏:‏ تفطنوا لما دبر الله من إخراجهم بتسليط المؤمنين عليهم من غير قتال‏.‏

وقيل‏:‏ وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يورثهم الله أرضهم وأموالهم بغير قتال، فقال‏:‏ فكان كما قال؛ ‏{‏ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا‏}‏‏:‏ أي لولا أنه تعالى قضى أنه سيجليهم من ديارهم ويبقون مدة يؤمن بعضهم ويولد لبعضهم من يؤمن، لعذبهم في الدنيا بالقتل والسبي، كما فعل بإخوانهم بني قريظة‏.‏ وكان بنو النضير من الجيش الذين عصوا موسى في كونهم لم يقتلوا الغلام ابن ملك العماليق، تركوه لجماله وعقله‏.‏ وقال موسى عليه السلام‏:‏ لا تستحيوا منهم أحداً‏.‏ فلما رجعوا إلى الشام، وجدوا موسى عليه السلام قد مات‏.‏ فقال لهم بنو إسرائيل‏:‏ أننم عصاة، والله لا دخلتم علينا بلادنا، فانصرفوا إلى الحجاز، فكانوا فيه، فلم يجر عليهم الجلاء الذي أجلاه بخت نصر على أهل الشام‏.‏ وكان الله قد كتب على بني إسرائيل جلاء، فنالهم هذا الجلاء على يد محمد صلى الله عليه وسلم، ولولا ذلك لعذبهم في الدنيا بالسيف والقتل، كأهل بدر وغيرهم‏.‏

ويقال‏:‏ جلا القوم عن منازلهم وأجلاهم غيرهم‏.‏ قيل‏:‏ والفرق بين الجلاء والإخراج‏:‏ أن الجلاء ما كان مع الأهل والولد، والإخراج قد يكون مع بقاء الأهل والولد‏.‏

وقال الماوردي‏:‏ الجلاء لا يكون إلا لجماعة، والإخراج قد يكون لواحد وجماعة‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ الجلاء ممدوداً؛ والحسن بن صالح وأخوه علي بن صالح‏:‏ مقصوراً؛ وطلحة‏:‏ مهموزاً من غير ألف كالبنأ‏.‏ ‏{‏ولهم في الآخرة عذاب النار‏}‏‏:‏ أي إن نجوا من عذاب الدنيا، لم ينجوا في الآخرة‏.‏ وقرأ طلحة‏:‏ ومن يشاقق بالإظهار، كالمتفق عليه في الأنفال؛ والجمهور؛ بالإدغام‏.‏ كان بعض الصحابة قد شرع في بعض نخل بني النضير يقطع ويحرق، وذلك في صدر الحرب، فقالوا‏:‏ ما هذا الإفساد يا محمد وأنت تنهى عن الإفساد‏؟‏ فكفوا عن ذلك، ونزل‏:‏ ‏{‏ما قطعتم من لينة‏}‏ الآية رداً على بني النضير، وإخباراً أن ذلك بتسويغ الله وتمكينه ليخربكم به ويذلكم‏.‏ واللينة والنخلة اسمان بمعنى واحد، قاله الحسن ومجاهد وابن زيد وعمرو بن ميمون‏.‏ وقال الشاعر‏:‏

كان قيودي فوقها عش طائر *** على لينة سوقاً يهفو حيونها

وقال آخر‏:‏

طراق الحوامي واقع فوق لينة *** يدي ليلة في ولشه يترقرق

وقال ابن عباس وجماعة من أهل اللغة‏:‏ هي النخلة ما لم تكن عجوة‏.‏ وقال الثوري‏:‏ الكريمة من النخل‏.‏ وقال أبو عبيدة وسفيان‏:‏ ما ثمرها لون، وهو نوع من التمر يقال له اللون‏.‏ قال سفيان‏:‏ هو شديد الصفرة يشف عن نواه فيرى من خارج‏.‏ وقال أيضاً أبو عبيدة‏:‏ اللين‏:‏ ألوان النخل المختلطة التي ليس فيها عجوة ولا برني‏.‏ وقال جعفر بن محمد‏:‏ هي العجوة، وقيل‏:‏ هي السيلان، وأنشد فيه‏:‏

غرسوا لينة بمجرى معين *** ثم حف النخيل بالآجام

وقيل‏:‏ هي أغصان الأشجار للينها، فعلى هذا لا يكون أصل الياء الواو‏.‏ وقيل‏:‏ هي النخلة القصيرة‏.‏ وقال الأصمعي‏:‏ هي الدفل، وما شرطية منصوبة بقطعتم، ومن لينة تبيين لإبهام ما، وجواب الشرط ‏{‏فبإذن الله‏}‏‏:‏ أي فقطعها أو تركها بإذن الله‏.‏ وقرأ الجمهور؛ ‏{‏قائمة‏}‏، أنث قائمة، والضمير في ‏{‏تركتموها‏}‏ على معنى ما‏.‏ وقرأ عبد الله والأعمش وزيد بن علي‏:‏ قوماً على وزن فعل، كضرب جمع قائم‏.‏ وقرئ‏:‏ قائماً اسم فاعل، فذكر على لفظ ما، وأنث في على أصولها‏.‏ وقرئ‏:‏ أصلها بغير واو‏.‏

ولما جلا بنو النضير عن أوطانهم وتركوا رباعهم وأموالهم، طلب المسلمون تخميسها كغنائم بدر، فنزلت‏:‏ ‏{‏ما أفاء الله على رسوله‏}‏‏:‏ بين أن أموالهم فيء، لم يوجف عليها خيل ولا ركاب ولا قطعت مسافة، إنما كانوا ميلين من المدينة مشوا مشياً، ولم يركب إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ قال عمر بن الخطاب‏:‏ كانت أموال بني النضير لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة، ينفق منها على أهله نفقة سنته، ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع عدة في سبيل الله تعالى‏.‏ وقال الضحاك‏:‏ كانت له عليه الصلاة والسلام، فآثر بها المهاجرين وقسمها عليهم، ولم يعط الأنصار منها شيئاً إلا أبا دجانة وسهل بن حنيف والحرث بن الصمة، أعطاهم لفقرهم‏.‏

وما في قوله‏:‏ ‏{‏وما أفاء الله على رسوله‏}‏ شرطية أو موصولة، وأفاء بمعنى‏:‏ يفيء، ولا يكون ماضياً في اللفظ والمعنى، ولذلك صلة ما الموصولة إذا كانت الباء في خبرها، لأنها إذ ذاك شبهت باسم الشرط‏.‏ فإن كانت الآية نزلت قبل جلائهم، كانت مخبرة بغيب، فوقع كما أخبرت؛ وإن كانت نزلت بعد حصول أموالهم للرسول صلى الله عليه وسلم، كان ذلك بياناً لما يستقبل، وحكم الماضي المتقدم حكمه‏.‏ ومن في‏:‏ ‏{‏من خيل‏}‏ زائدة في المفعول يدل عليه الاستغراق، والركاب‏:‏ الإبل، سلط الله رسوله عليهم وعلى ما في أيديهم، كما كان يسلط رسله على من يشاء من أعدائهم‏.‏ وقال بعض العلماء‏:‏ كل ما وقع على الأئمة مما لم يوجف عليه فهو لهم خاصة‏.‏

‏{‏ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى‏}‏، قال الزمخشري‏:‏ لم يدخل العاطف على هذه الجملة، لأنها بيان للأولى، فهي منها غير أجنبية عنها‏.‏ بين لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما يصنع بما أفاء الله عليه، وأمره أن يضعه حيث يضع الخمس من الغنائم مقسوم على الأقسام الخمسة‏.‏ انتهى‏.‏ وقال ابن عطية‏:‏ أهل القرى المذكورون في هذه الآية هم أهل الصفراء وينبع ووادي القرى وما هنالك من قرى العرب التي تسمى قرى عرينة، وحكمها مخالف لبني النضير، ولم يحبس من هذه رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه شيئاً، بل أمضاها لغيره، وذلك أنها في ذلك الوقت فتحت‏.‏ انتهى‏.‏ وقيل‏:‏ إن الآية الأولى خاصة في بني النضير، وهذه الآية عامة‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏كي لا يكون‏}‏ بالياء؛ وعبد الله وأبو جعفر وهشام‏:‏ بالتاء‏.‏ والجمهور‏:‏ ‏{‏دولة‏}‏ بضم الدال ونصب التاء؛ وأبو جعفر وأبو حيوة وهشام‏:‏ بضمها؛ وعلي والسلمي‏:‏ بفتحها‏.‏ قال عيسى بن عمر‏:‏ هما بمعنى واحد‏.‏ وقال الكسائي وحذاق البصرة‏:‏ الفتح في الملك بضم الميم لأنها الفعلة في الدهر، والضم في الملك بكسر الميم‏.‏ والضمير في تكون بالتأنيث عائد على معنى ما، إذ المراد به الأموال والمغانم، وذلك الضمير هو اسم ‏{‏يكون‏}‏‏.‏ وكذلك من قرأ بالياء، أعاد الضمير على لفظ ما، أي يكون الفيء، وانتصب دولة على الخبر‏.‏ ومن رفع دولة فتكون تامة، ودولة فاعل، وكيلا يكون تعليل لقوله‏:‏ ‏{‏فلله وللرسول‏}‏، أي فالفيء وحكمه لله وللرسول، يقسمه على ما أمره الله تعالى، كي لا يكون الفيء الذي حقه أن يعطى للفقراء بلغة يعيشون بها متداولاً بين الأغنياء يتكاثرون به، أو كيلا يكون دولة جاهلية بينهم، كما كان رؤساؤهم يستأثرون بالغنائم ويقولون‏:‏ من عز بزّ، والمعنى‏:‏ كي لا يكون أخذه غلبة وأثرة جاهلية‏.‏

وروي أن قوماً من الأنصار تكلموا في هذه القرى المفتتحة وقالوا‏:‏ لنا منها سهمنا، فنزل‏:‏ ‏{‏وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا‏}‏‏.‏

وعن الكلبي‏:‏ أن رؤوساً من المسلمين قالوا له‏:‏ يا رسول الله، خذ صفيك والربع ودعنا والباقي، فهكذا كنا نفعل في الجاهلية، فنزل‏:‏ ‏{‏وما آتاكم الرسول فخذوه‏}‏ الآية، وهذا عام يدخل فيه قسمة ما أفاء الله والغنائم وغيرها؛ حتى أنه قد استدل بهذا العموم على تحريم الخمر، وحكم الواشمة والمستوشمة، وتحريم المخيط للمحرم‏.‏

ومن غريب الحكايات في الاستنباط‏:‏ أن الشافعي، رحمه الله تعالى، قال‏:‏ سلوني عما شئتم أخبركم به من كتاب الله تعالى وسنة النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ فقال له عبد الله بن محمد بن هارون‏:‏ ما تقول في المحرم يقتل الزنبور‏؟‏ فقال‏:‏ قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا‏}‏‏.‏ وحدثنا سفيان بن عيينة، عن عبد الملك بن عمير، عن ربعي بن خراش، عن حذيفة بن اليمان، قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر» وحدثنا سفيان بن عيينة، عن مسعر بن كدام، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن عمر بن الخطاب، أنه أمر بقتل الزنبور‏.‏ انتهى‏.‏ ويعني في الإحرام‏.‏ بين أنه يقتدي بعمر، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بالاقتداء به، وأن الله تعالى أمر بقبول ما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏8- 14‏]‏

‏{‏لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ‏(‏8‏)‏ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ‏(‏9‏)‏ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ‏(‏10‏)‏ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ‏(‏11‏)‏ لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ ‏(‏12‏)‏ لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ ‏(‏13‏)‏ لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ ‏(‏14‏)‏‏}‏

‏{‏للفقراء‏}‏، قال الزمخشري‏:‏ بدل من قوله‏:‏ ‏{‏ولذي القربى‏}‏، والمعطوف عليه والذي منع الإبدال من ‏{‏لله وللرسول‏}‏، والمعطوف عليهما، وإن كان المعنى لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أن الله عز وجل أخرج رسوله من الفقراء في قوله‏:‏ ‏{‏وينصرون الله ورسوله‏}‏، وأنه يترفع برسول الله صلى الله عليه وسلم عن التسمية بالفقير، وأن الإبدال على ظاهر اللفظ من خلاف الواجب في تعظيم الله عز وعلا‏.‏ انتهى‏.‏ وإنما جعله الزمخشري بدلاً من قوله‏:‏ ‏{‏ولذي القربى‏}‏، لأنه مذهب أبي حنيفة، والمعنى إنما يستحق ذو القربى الفقير‏.‏ فالفقر شرط فيه على مذهب أبي حنيفة، ففسره الزمخشري على مذهبه‏.‏ وأما الشافعي، فيرى أن سبب الاستحقاق هو القرابة، فيأخذ ذو القربى الغني لقرابته‏.‏

وقال ابن عطية‏:‏ ‏{‏للفقراء المهاجرين‏}‏ بيان لقوله‏:‏ ‏{‏والمساكين وابن السبيل‏}‏، وكررت لام الجر لما كانت الأولى مجرورة باللام، ليبين بين الأغنياء منكم، أي ولكن يكون للفقراء‏.‏ انتهى‏.‏ ثم وصف تعالى المهاجرين بما يقتضي فقرهم ويوجب الإشفاق عليهم‏.‏ ‏{‏أولئك هم الصادقون‏}‏‏:‏ أي في إيمانهم وجهادهم قولاً وفعلاً‏.‏ والظاهر أن قوله‏:‏ ‏{‏والذين تبوؤا‏}‏ معطوف على المهاجرين، وهم الأنصار، فيكون قد وقع بينهم الاشتراك فيما يقسم من الأموال‏.‏ وقيل‏:‏ هو مستأنف مرفوع بالابتداء، والخبر ‏{‏يحبون‏}‏‏.‏ أثنى الله تعالى بهذه الخصال الجليلة، كما أنثى على المهاجرين بقوله‏:‏ ‏{‏يبتغون فضلاً‏}‏ الخ، والإيمان معطوف على الدار، وهي المدينة، والإيمان ليس مكاناً فيتبوأ‏.‏ فقيل‏:‏ هو من عطف الجمل، أي واعتقدوا الإيمان وأخلصوا فيه، قاله أبو عليّ، فيكون كقوله‏:‏

علفتها تبناً وماء بارداً *** أو يكون ضمن ‏{‏تبوؤا‏}‏ معنى لزموا، واللزوم قدر مشترك في الدار والإيمان، فيصح العطف‏.‏ أو لما كان الإيمان قد شملهم، صار كالمكان الذي يقيمون فيه، لكن يكون ذلك جمعاً بين الحقيقة والمجاز‏.‏ قال الزمخشري‏:‏ أو أراد دار الهجرة ودار الإيمان، فأقام لام التعريف في الدار مقام المضاف إليه، وحذف المضاف من دار الإيمان ووضع المضاف إليه مقامه؛ أو سمى المدينة، لأنها دار الهجرة ومكان ظهور الإيمان بالإيمان‏.‏ وقال ابن عطية‏:‏ والمعنى تبوؤا الدار مع الإيمان معاً، وبهذا الاقتران يصح معنى قوله‏:‏ ‏{‏من قبلهم‏}‏ فتأمله‏.‏ انتهى‏.‏ ومعنى ‏{‏من قبلهم‏}‏‏:‏ من قبل هجرتهم، ‏{‏حاجة‏}‏‏:‏ أي حسداً، ‏{‏مما أوتوا‏}‏‏:‏ أي مما أعطي المهاجرون، ونعم الحاجة ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم في إعطاء المهاجرين من أموال بني النضير والقرى‏.‏

‏{‏ويؤثرون على أنفسهم‏}‏‏:‏ من ذلك قصة الأنصاري مع ضيف الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث لم يكن لهم إلا ما يأكل الصبية، فأوهمهم أنه يأكل حتى أكل الضيف، فقال له الرسول عليه الصلاة والسلام‏:‏ «عجب الله من فعلكما البارحة»، فالآية مشيرة إلى ذلك‏.‏

وروي غير ذلك في إيثارهم‏.‏ والخصاصة‏:‏ الفاقة، مأخوذة من خصاص البيت، وهو ما يبقى بين عيدانه من الفرج‏:‏ والفتوح، فكأن حال الفقير هي كذلك، يتخللها النقص والاحتياج‏.‏ وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة‏:‏ شح بكسر الشين‏.‏ والجمهور‏:‏ بإسكان الواو وتخفيف القاف وضم الشين، والشح‏:‏ اللؤم، وهو كزازة النفس على ما عندها، والحرص على المنع‏.‏ قال الشاعر‏:‏

يمارس نفساً بين جنبيه كزة *** إذا همّ بالمعروف قالت له مهلاً

وأضيف الشح إلى النفس لأنه غريزة فيها‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وأحضرت الأنفس الشح‏}‏ وفي الحديث‏:‏ «من أدّى الزكاة المفروضة وقرى الضيف وأعطى في النائبة فقد برئ من الشح» ‏{‏والذين جاءوا من بعدهم‏}‏‏:‏ الظاهر أنه معطوف على ما قبله من المعطوف على المهاجرين‏.‏ فقال الفراء‏:‏ هم الفرقة الثالثة من الصحابة، وهو من آمن أو كفر في آخر مدّة النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ وقال الجمهور‏:‏ أراد من يجيء من التابعين، فعلى القول الأول‏:‏ يكون معنى ‏{‏من بعدهم‏}‏‏:‏ أي من بعد المهاجرين والأنصار السابقين بالإيمان، وهؤلاء تأخر إيمانهم، أو سبق إيمانه وتأخرت وفاته حتى انقرض معظم المهاجرين والأنصار‏.‏ وعلى القول الثاني‏:‏ يكون معنى ‏{‏من بعدهم‏}‏‏:‏ أي من بعد ممات المهاجرين، مهاجريهم وأنصارهم‏.‏ وإذا كان ‏{‏والذين‏}‏ معطوفاً على المجرور قبله، فالظاهر أنهم مشاركو من تقدّم في حكم الفيء‏.‏

وقال مالك بن أوس‏:‏ قرأ عمر ‏{‏إنما الصدقات للفقراء‏}‏ الآية، فقال‏:‏ هذه لهؤلاء، ثم قرأ‏:‏ ‏{‏واعلموا أنما غنمتم‏}‏ فقال‏:‏ وهذه لهؤلاء، ثم قرأ‏:‏ ‏{‏ما أفاء الله على رسوله‏}‏ حتى بلغ ‏{‏للفقراء المهاجرين‏}‏ إلى ‏{‏والذين جاءوا من بعدهم‏}‏‏.‏ ثم قال‏:‏ لئن عشت لنؤتين الراعي، وهو يسير نصيبه منها‏.‏ وعنه أيضاً‏:‏ أنه استشار المهاجرين والأنصار فيما فتح الله عليه من ذلك في كلام كثير آخره أنه تلا‏:‏ ‏{‏ما أفاء الله على رسوله‏}‏ الآية، فلما بلغ ‏{‏أولئك هم الصادقون‏}‏ قال‏:‏ هي لهؤلاء فقط، وتلا‏:‏ ‏{‏والذين جاءوا من بعدهم‏}‏ الآية، إلى قوله‏:‏ ‏{‏رءوف رحيم‏}‏؛ ثم قال‏:‏ ما بقي أحد من أهل الإسلام إلا وقد دخل في ذلك‏.‏ وقال عمر رضي الله تعالى عنه‏:‏ لولا من يأتي من آخر الناس ما فتحت قرية إلا قسمتها، كما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر‏.‏ وقيل‏:‏ ‏{‏والذين جاءوا من بعدهم‏}‏ مقطوع مما قبله، معطوف عطف الجمل، لا عطف المفردات؛ فإعرابه‏:‏ ‏{‏والذين‏}‏ مبتدأ، ندبوا بالدعاء للأولين، والثناء عليهم، وهم من يجيء بعد الصحابة إلى يوم القيامة، والخبر ‏{‏يقولون‏}‏، أخبر تعالى عنهم بأنهم لإيمانهم ومحبة أسلافهم ‏{‏يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا‏}‏، وعلى القول الأول يكون ‏{‏يقولون‏}‏ استئناف إخبار، قيل‏:‏ أو حال‏.‏

‏{‏ألم تر إلى الذين نافقوا‏}‏ الآية‏:‏ نزلت في عبد الله بن أبيّ، ورفاعة بن التابوت، وقوم من منافقي الأنصار، كانوا بعثوا إلى بني النضير بما تضمنته الجمل المحكية بقوله‏:‏ ‏{‏يقولون‏}‏، واللام في ‏{‏لإخوانهم‏}‏ للتبليغ، والإخوة بينهم إخوة الكفر وموالاتهم، ‏{‏ولا نطيع فيكم‏}‏‏:‏ أي في قتالكم، ‏{‏أحداً‏}‏‏:‏ من الرسول والمؤمنين؛ أو ‏{‏لا نطيع فيكم‏}‏‏:‏ أي في خذلانكم وإخلاف ما وعدناكم من النصرة، و‏{‏لننصرنكم‏}‏‏:‏ جواب قسم محذوف قبل أن الشرطية، وجواب أن محذوف، والكثير في كلام العرب إثبات اللام المؤذنة بالقسم قبل أداة الشرط، ومن حذفها قوله‏:‏

‏{‏وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين‏}‏ التقدير‏:‏ ولئن لم ينتهوا لكاذبون، أي في مواعيدهم لليهود، وفي ذلك دليل على صحة النبوة لأنه إخبار بالغيب، ولذلك لم يخرجوا حين أخرج بنو النضير، بل أقاموا في ديارهم، وهذا إذا كان قوله‏:‏ ‏{‏لإخوانهم‏}‏ أنهم بنو النضير‏.‏ وقيل‏:‏ هم يهود المدينة، والضمائر على هذين القولين‏.‏ وقيل‏:‏ فيها اختلاف، أي لئن أخرج اليهود لا يخرج المنافقون، ولئن قوتل اليهود لا ينصرهم المنافقون، ولئن نصر اليهود المنافقين ليولي اليهود الأدبار، وكأن صاحب هذا القول نظر إلى قوله‏:‏ ‏{‏ولئن قوتلوا لا ينصرونهم‏}‏، فقد أخبر أنهم لا ينصرونهم، فكيف يأتي ‏{‏ولئن نصروهم‏}‏‏؟‏ فأخرجه في حيز الإمكان، وقد أخبر أنهم لا ينصرونهم، فلا يمكن نصرهم إياهم بعد إخباره تعالى أنه لا يقع‏.‏ وإذا كانت الضمائر متفقة، فقال الزمخشري‏:‏ معناه ولئن نصروهم على الفرض، والتقدير كقوله‏:‏ ‏{‏لئن أشركت ليحبطن عملك‏}‏ وكما يعلم ما لا يكون لو كان كيف يكون‏.‏ وقال ابن عطية‏:‏ معناه‏:‏ ولئن خالفوا ذلك فإنهم ينهزمون‏.‏ انتهى‏.‏ والظاهر أن الضمير في ‏{‏ليولن الأدبار‏}‏، وفي ‏{‏ثم لا ينصرون‏}‏ عائد على المفروض أنهم ينصرونهم، أي ولئن نصرهم المنافقون ليولن المنافقون الأدبار، ثم لا ينصر المنافقون‏.‏ وقيل‏:‏ الضمير في التولي عائد على اليهود، وكذا في ‏{‏لا ينصرون‏}‏‏.‏ قال ابن عطية‏:‏ وجاءت الأفعال غير مجزومة في قوله‏:‏ ‏{‏لا يخرجون‏}‏ و‏{‏لا ينصرون‏}‏ لأنها راجعة على حكم القسم، لا على حكم الشرط، وفي هذا نظر‏.‏ انتهى‏.‏ وأي نظر في هذا‏؟‏ وهذا جاء على القاعدة المتفق عليها من أنه إذا تقدم القسم على الشرط كان الجواب للقسم وحذف جواب الشرط، وكان فعله بصيغة المضي، أو مجزوماً بلم، وله شرط، وهو أن لا يتقدمه طالب خبر‏.‏ واللام في ‏{‏لئن‏}‏ مؤذنة بقسم محذوف قبله، فالجواب له‏.‏ وقد أجاز الفراء أن يجاب الشرط، وأن تقدم القسم، ورده عليه البصريون‏.‏ ثم خاطب المؤمنين بأن هؤلاء يخافونكم أشد خيفة من الله تعالى، لأنهم يتوقعون عاجل شركم، ولعدم إيمانهم لا يتوقعون أجل عذاب الله، وذلك لقلة فهمهم، ورهبة‏:‏ مصدر رهب المبني للمفعول، كأنه قيل‏:‏ أشد مرهوبية، فالرهبة واقعة منهم لا من المخاطبين، والمخاطبون مرهوبون، وهذا كما قال‏:‏

فلهو أخوف عندي إذ أكلمه *** وقيل إنك مأسور ومقتول

من ضيغم بثراء الأرض مخدره *** ببطن عثر غيل دونه غيل

فالمخبر عنه مخوف لا خائف، والضمير في ‏{‏صدورهم‏}‏‏.‏

قيل‏:‏ لليهود، وقيل‏:‏ للمنافقين، وقيل‏:‏ للفريقين‏.‏ وجعل المصدر مقراً للرهبة دليل على تمكنها منهم بحيث صارت الصدور مقراً لها، والمعنى‏:‏ رهبتهم منكم أشد من رهبتهم من الله عز وجل‏.‏ ‏{‏لا يقاتلونكم‏}‏‏:‏ أي بنو النضير وجميع اليهود‏.‏ وقيل‏:‏ اليهود والمنافقون ‏{‏جميعاً‏}‏‏:‏ أي مجتمعين متساندين يعضد بعضهم بعضاً، ‏{‏إلا في قرى محصنة‏}‏‏:‏ لا في الصحراء لخوفهم منكم، وتحصينها بالدروب والخنادق، أو من وراء جدار يتسترون به من أن تصيبوهم‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏جدر‏}‏ بضمتين، جمع جدار؛ وأبو رجاء والحسن وابن وثاب‏:‏ بإسكان الدال تخفيفاً، ورويت عن ابن كثير وعاصم والأعمش‏.‏ وقرأ أبو عمرو وابن كثير وكثير من المكيين‏:‏ جدار بالألف وكسر الجيم‏.‏ وقرأ كثير من المكيين، وهارون عن ابن كثير‏:‏ جدر بفتح الجيم وسكون الدال‏.‏ قال صاحب اللوامح‏:‏ وهو واخذ بلغة اليمن‏.‏ وقال ابن عطية‏:‏ ومعناه أصل بنيان كالسور ونحوه‏.‏ قال‏:‏ ويحتمل أن يكون من جدر النخل، أي من وراء نخلهم، إذ هي مما يتقى به عند المصافة‏.‏ ‏{‏بأسهم بينهم شديد‏}‏‏:‏ أي إذا اقتتلوا بعضهم مع بعض‏.‏ كان بأسهم شديداً؛ أما إذا قاتلوكم، فلا يبقى لهم بأس، لأن من حارب أولياء الله خذل‏.‏ ‏{‏تحسبهم جميعاً‏}‏‏:‏ أي مجتمعين، ذوي ألفة واتحاد‏.‏ ‏{‏وقلوبهم شتى‏}‏‏:‏ أي وأهواؤهم متفرقة، وكذا حال المخذولين، لا تستقر أهواؤهم على شيء واحد، وموجب ذلك الشتات هو انتفاء عقولهم، فهم كالبهائم لا تتفق على حالة‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏شتى‏}‏ بألف التأنيث؛ ومبشر بن عبيد‏:‏ منوناً، جعلها ألف الإلحاق؛ وعبد الله‏:‏ وقلوبهم أشت‏:‏ أي أشد تفرقاً، ومن كلام العرب‏:‏ شتى تؤوب الحلبة‏.‏ قال الشاعر‏:‏

إلى الله أشكوا فتية شقت العصا *** هي اليوم شتى وهي أمس جميع

تفسير الآيات رقم ‏[‏15- 24‏]‏

‏{‏كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏(‏15‏)‏ كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ‏(‏16‏)‏ فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ ‏(‏17‏)‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ‏(‏18‏)‏ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ‏(‏19‏)‏ لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ ‏(‏20‏)‏ لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ‏(‏21‏)‏ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ‏(‏22‏)‏ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ‏(‏23‏)‏ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ‏(‏24‏)‏‏}‏

‏{‏كمثل‏}‏‏:‏ خبر مبتدأ محذوف، أي مثلهم، أي بني النضير ‏{‏كمثل الذين من قبلهم قريباً‏}‏‏:‏ وهم بنو قينقاع، أجلاهم الرسول صلى الله عليه وسلم من المدينة قبل بني النضير فكانوا مثلاً لهم، قاله ابن عباس؛ أو أهل بدر الكفار، فإنه عليه الصلاة والسلام قتلهم، فهم مثلهم في أن غلبوا وقهروا‏.‏ وقيل‏:‏ الضمير في ‏{‏من قبلهم‏}‏ للمنافقين، و‏{‏الذين من قبلهم‏}‏‏:‏ منافقو الأمم الماضية، غلبوا ودلوا على وجه الدهر، فهؤلاء مثلهم‏.‏ ويبعد هذا التأويل لفظة ‏{‏قريباً‏}‏ أن جعلته متعلقاً بما قبله، وقريباً ظرف زمان وإن جعلته معمولاً لذاقوا، أي ذاقوا وبال أمرهم قريباً من عصيانهم، أي لم تتأخر عقوبتهم في الدنيا، كما لم تتأخر عقوبة هؤلاء‏.‏ ‏{‏ولهم عذاب أليم‏}‏ في الآخرة‏.‏

‏{‏كمثل الشيطان‏}‏‏:‏ لما مثلهم بمن قبلهم، ذكر مثلهم مع المنافقين، فالمنافقون كالشيطان، وبنو النضير كالإنسان، والجمهور‏:‏ على أن الشيطان والإنسان اسما جنس يورطه في المعصية ثم يفر منه‏.‏ كذلك أغوى المنافقون بني النضير، وحرضوهم على الثبات، ووعدوهم النصر‏.‏ فلما نشب بنو النضير، خذلهم المنافقون وتركوهم في أسوأ حال‏.‏ وقيل‏:‏ المراد استغواء الشيطان قريشاً يوم بدر‏.‏ وقوله لهم‏:‏ ‏{‏لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏إني بريء منكم‏}‏ وقيل‏:‏ التمثيل بشيطان مخصوص مع عابد مخصوص استودع امرأة، فوقع عليها فحملت، فخشي الفضيحة، فقتلها ودفنها‏.‏ سول له الشيطان ذلك، ثم شهره، فاستخرجت فوجدت مقتولة؛ وكان قال إنها ماتت ودفنتها، فعلموا بذلك، فتعرض له الشيطان وقال‏:‏ اكفر واسجد لي وأنا أنجيك، ففعل وتركه عند ذلك وقال‏:‏ أنا بريء منك‏.‏ وقول الشيطان‏:‏ ‏{‏إني أخاف الله‏}‏ رياء، ولا يمنعه الخوف عن سوء يوقع ابن آدم فيه‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏عاقبتهما‏}‏ بنصب التاء؛ والحسن وعمرو بن عبيد وسليم بن أرقم‏:‏ برفعهما‏.‏ والجمهور‏:‏ ‏{‏خالدين‏}‏ بالياء حالاً، و‏{‏في النار‏}‏ خبر أن؛ وعبد الله وزيد بن علي والأعمش وابن عبلة‏:‏ بالألف، فجاز أن يكون خبر أن، والظرف ملغى وإن كان قد أكد بقوله‏:‏ ‏{‏فيها‏}‏، وذلك جائز على مذهب سيبويه، ومنع ذلك أهل الكوفة، لأنه إذا أكد عندهم لا يلغى‏.‏ ويجوز أن يكون في النار خبراً، لأن ‏{‏خالدين‏}‏ خبر ثان، فلا يكون فيه حجة على مذهب سيبويه‏.‏

ولما انقضى في هذه السورة، وصف المنافقون واليهود‏.‏ وعظ المؤمنين، لأن الموعظة بعد ذكر المصيبة لها موقع في النفس لرقة القلوب والحذر مما يوجب العذاب، وكرر الأمر بالتقوى على سبيل التوكيد، أو لإختلاف متعلق بالتقوى‏.‏ فالأولى في أداء الفرائض، لأنه مقترن بالعمل؛ والثانية في ترك المعاصي، لأنه مقترن بالتهديد والوعيد‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏ولتنظر‏}‏‏:‏ أمراً، واللام ساكنة؛ وأبو حيوة ويحيى بن الحارث‏:‏ بكسرها‏.‏ وروي ذلك عن حفص، عن عاصم والحسن‏:‏ بكسرها وفتح الراء، جعلها لام كي‏.‏

ولما كان أمر القيامة كائناً لا محالة، عبر عنه بالغد، وهو اليوم الذي يلي يومك على سبيل التقريب‏.‏ وقال الحسن وقتادة‏:‏ لم يزل يقر به حتى جعله كالغد، ونحوه‏:‏ كأن لم تغن بالأمس، يريد تقريب الزمان الماضي‏.‏ وقيل‏:‏ عبر عن الآخرة بالغد، كأن الدنيا والآخرة نهاران، يوم وغد‏.‏ قال ابن عطية‏:‏ ويحتمل أن يريد بقوله‏:‏ ‏{‏لغد‏}‏‏:‏ ليوم الموت، لأنه لكل إنسان كغده‏.‏ وقال مجاهد وابن زيد‏:‏ بالأمس الدنيا وغد الآخرة‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ أما تنكير النفس فاستقلال للأنفس النواظر فيما قدمن للآخرة، كأنه‏:‏ قيل لغد لا يعرف كنهه لعظمه‏.‏ انتهى‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏لا تكونوا‏}‏ بتاء الخطاب؛ وأبو حيوة‏:‏ بياء الغيبة، على سبيل الالتفات‏.‏ وقال ابن عطية‏:‏ كناية عن نفس التي هي اسم الجنس؛ ‏{‏كالذين نسوا‏}‏‏:‏ هم الكفار، وتركوا عبادة الله وامتثال ما أمر واجتناب ما نهى، وهذا تنبيه على فرط غفلتهم واتباع شهواتهم؛ ‏{‏فأنساهم أنفسهم‏}‏، حيث لم يسعوا إليها في الخلاص من العذاب، وهذا من المجازاة على الذنب بالذنب‏.‏ عوقبوا على نسيان جهة الله تعالى بأن أنساهم أنفسهم‏.‏ قال سفيان‏:‏ المعنى حظ أنفسهم، ثم ذكر مباينة الفريقين‏:‏ أصحاب النار في الجحيم، وأصحاب الجنة في النعيم، كما قال‏:‏ ‏{‏أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون‏}‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏أم نجعل المتقين كالفجار‏}‏ ‏{‏لو أنزلنا هذا القرآن على جبل‏}‏‏:‏ هذا من باب التخييل والتمثيل، كما مر في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إنا عرضنا الأمانة على السماوات‏}‏ ودل على ذلك‏:‏ ‏{‏وتلك الأمثال نضربها للناس‏}‏ والغرض توبيخ الإنسان على قسوة قلبه، وعدم تأثره لهذا الذي لو أنزل على الجبل لتخشع وتصدع‏.‏ وإذا كان الجبل على عظمه وتصلبه يعرض له الخشوع والتصدع، فابن آدم كان أولى بذلك، لكنه على حقارته وضعفه لا يتأثر‏.‏ وقرأ طلحة‏:‏ مصدعاً، بإدغام التاء في الصاد؛ وأبو السمال وأبو دينار الأعرابي‏:‏ القدوس بفتح القاف؛ والجمهور‏:‏ بالفك والضم‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ المؤمن بكسر الميم، اسم فاعل من آمن بمعنى أمن‏.‏ وقال ثعلب‏:‏ المصدق المؤمنين في أنهم آمنوا‏.‏ وقال النحاس‏:‏ أو في شهادتهم على الناس يوم القيامة‏.‏ وقيل‏:‏ المصدق نفسه في أقواله الأزلية‏.‏ وقرأ أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين، وقيل، أبو جعفر المدني‏:‏ المؤمن بفتح الميم‏.‏ قال أبو حاتم‏:‏ لا يجوز ذلك، لأنه لو كان كذلك لكان المؤمن به وكان جائزاً، لكن المؤمن المطلق بلا حرف جر يكون من كان خائفاً فأومن‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ يعني المؤمن به على حذف حرف الجر، كما تقول في قوم موسى من قوله‏:‏ ‏{‏واختار موسى قومه‏}‏ المختارون‏.‏ ‏{‏المهيمن‏}‏‏:‏ تقدم شرحه‏.‏ ‏{‏الجبار‏}‏‏:‏ القهار الذي جبر خلقه على ما أراد‏.‏ وقيل‏:‏ الجبار‏:‏ الذي لا يدانيه شيء ولا يلحق، ومنه نخلة جبارة إذا لم تلحق، وقال امرؤ القيس‏:‏

سوابق جبار أتيت فروعه *** وعالين قنواناً من البسر أحمرا

وقال ابن عباس‏:‏ هو العظيم، وجبروته‏:‏ عظمته‏.‏ وقيل‏:‏ هو من الجبر، وهو الإصلاح‏.‏ جبرت العظم‏:‏ أصلحته بعد الكسر‏.‏ وقال الفراء‏:‏ من أجبره على الأمر‏:‏ قهره، قال‏:‏ ولم أسمع فعالاً من أفعل إلا في جبار ودراك‏.‏ انتهى، وسمع أسار فهو أسار‏.‏ ‏{‏المتكبر‏}‏‏:‏ المبالغ في الكبرياء والعظمة‏.‏ وقيل‏:‏ المتكبر عن ظلم عباده، ‏{‏الخالق‏}‏‏:‏ المقدر لما يوجده‏.‏ ‏{‏البارئ‏}‏‏:‏ المميز بعضه من بعض بالأشكال المختلفة، ‏{‏المصور‏}‏‏:‏ الممثل‏.‏ وقرأ عليّ وحاطب بن أبي بلتعة والحسن وابن السميقع‏:‏ المصور بفتح الواو والراء، وانتصب مفعولاً بالباري، وأراد به جنس المصور‏.‏ وعن علي؛ فتح الواو وكسر الراء على إضافة اسم الفاعل إلى المفعول، نحو‏:‏ الضارب الغلام‏.‏

سورة الممتحنة

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 9‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ‏(‏1‏)‏ إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ ‏(‏2‏)‏ لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ‏(‏3‏)‏ قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ‏(‏4‏)‏ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ‏(‏5‏)‏ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ‏(‏6‏)‏ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏7‏)‏ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ‏(‏8‏)‏ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ‏(‏9‏)‏‏}‏

ومناسبة هذه السورة لما قبلها‏:‏ أنه لما ذكر فيما قبلها حالة المنافقين والكفار، افتتح هذه بالنهي عن موالاة الكفار والتودّد إليهم، وأضاف في قوله‏:‏ ‏{‏عدوي‏}‏ تغليظاً، لجرمهم وإعلاماً بحلول عقاب الله بهم‏.‏ والعدو ينطلق على الواحد وعلى الجمع، وأولياء مفعول ثان لتتخذوا‏.‏ ‏{‏تلقون‏}‏‏:‏ بيان لموالاتهم، فلا موضع له من الإعراب، أو استئناف إخبار‏.‏ وقال الحوفي والزمخشري‏:‏ حال من الضمير في ‏{‏لا تتخذوا‏}‏، أو صفة لأولياء، وهذا تقدّمه إليه الفراء، قال‏:‏ ‏{‏تلقون إليهم بالمودة‏}‏ من صلة ‏{‏أولياء‏}‏‏.‏ انتهى‏.‏ وعندهم أن النكرة توصل، وعند البصريين لا توصل بل توصف، والحال والصفة قيد وهم قد نهوا عن اتخاذهم أولياء مطلقاً، والتقييد يدل على أنه يجوز أن يتخذوا أولياء إذا لم يكونوا في حال إلقاء المودة، أو إذا لم يكن الأولياء متصفين بهذا الوصف، وقد قال تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء‏}‏ فدل على أنه لا يقتصر على تلك الحال ولا ذلك الوصف‏.‏ والأولياء عبارة عن الإفضاء بالمودة، ومفعول ‏{‏تلقون‏}‏ محذوف، أي تلقون إليهم أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسراره‏.‏ والباء في ‏{‏بالمودة‏}‏ للسبب، أي بسبب المودة التي بينهم‏.‏ وقال الكوفيون‏:‏ الباء زائدة، كما قيل‏:‏ في‏:‏ ‏{‏ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة‏}‏‏:‏ أي أيديكم‏.‏ قال الحوفي‏:‏ وقال البصريون هي متعلقة بالمصدر الذي دل عليه الفعل، وكذلك قوله ‏{‏بإلحاد بظلم‏}‏ أي إرادته بإلحاد‏.‏ انتهى‏.‏ فعلى هذا يكون ‏{‏بالمودة‏}‏ متعلقاً بالمصدر، أي إلقاؤهم بالمودّة، وهذا ليس بجيد، لأن فيه حذف المصدر، وهو موصول، وحذف الخبر، إذ إلقاؤهم مبتدأ وبما يتعلق به، ‏{‏وقد كفروا‏}‏ جملة حالية، وذو الحال الضمير في ‏{‏تلقون‏}‏‏:‏ أي توادونهم، وهذه حالهم، وهي الكفر بالله، ولا يناسب الكافر بالله أن يودّ‏.‏ وأجاز الزمخشري أن يكون حالاً من فاعل ‏{‏لا تتخذوا‏}‏‏.‏

وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏بما جاءكم‏}‏، والجحدري والمعلى عن عاصم‏:‏ لما باللام مكان الباء، أي لأجل ما جاءكم‏.‏ ‏{‏يخرجون الرسول‏}‏‏:‏ استئناف، كالتفسير لكفرهم، أو حال من ضمير ‏{‏كفروا‏}‏، ‏{‏وإياكم‏}‏‏:‏ معطوف على الرسول‏.‏ وقدّم على إياكم الرسول لشرفه، ولأنه الأصل للمؤمنين به‏.‏ ولو تقدّم الضمير لكان جائزاً في العربية، خلافاً لمن خص ذلك بالضرورة، قال‏:‏ لأنك قادر على أن تأتي به متصلاً، فلا تفصل إلا في الضرورة، وهو محجوج بهذه الآية وبقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم‏}‏ وإياكم أن اتقوا الله، وقدّم الموصول هنا على المخاطبين للسبق في الزمان وبغير ذلك من كلام العرب‏.‏ و‏{‏أن تؤمنوا‏}‏ مفعول من أجله، أي يخرجون لإيمانكم أو كراهة إيمانكم، ‏{‏إن كنتم خرجتم‏}‏‏:‏ شرط جوابه محذوف لدلالة ما تقدّم عليه، وهو قوله‏:‏ ‏{‏لا تتخذوا عدوي‏}‏، ونصب جهاداً وابتغاء على المصدر في موضع الحال، أي مجاهدين ومبتغين، أو على أنه مفعول من أجله‏.‏

‏{‏تسرون‏}‏‏:‏ استئناف، أي تسرون وقد علمتم أني أعلم الإخفاء والإعلان، وأطلع الرسول صلى الله عليه وسلم على ذلك، فلا طائل في فعلكم هذا‏.‏ وقال ابن عطية‏:‏ ‏{‏تسرون‏}‏ بدل من ‏{‏تلقون‏}‏‏.‏ انتهى، وهو شبيه ببدل الاشتمال، لأن الإلقاء يكون سراً وجهراً، فهو ينقسم إلى هذين النوعين‏.‏ وأجاز أيضاً أن يكون خبر مبتدأ محذوف تقديره‏:‏ أنتم تسرون‏.‏ والظاهر أن ‏{‏أعلم‏}‏ أفعل تفضيل، ولذلك عداه بالباء‏.‏ وأجاز ابن عطية أن يكون مضارعاً عدى بالباء قال‏:‏ لأنك تقول علمت بكذا‏.‏ ‏{‏وأنا أعلم‏}‏‏:‏ جملة حالية، والضمير في ‏{‏ومن يفعله منكم‏}‏، الظاهر أنه إلى أقرب مذكور، أي ومن يفعل الأسرار‏.‏ وقال ابن عطية‏:‏ يعود على الاتخاذ، وانتصب سواء على المفعول به على تقدير تعدى ضل، أو على الظرف على تقدير اللزوم، والسواء‏:‏ الوسط‏.‏

ولما نهى المؤمنين عن اتخاذ الكفار أولياء، وشرح ما به الولاية من الإلقاء بالمودة بينهم، وذكر ما صنع الكفار بهم أولاً من إخراج الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، ذكر صنيعهم آخراً لو قدروا عليه من أنه إن تمكنوا منكم تظهر عداوتهم لكم، ويبسطوا أيديهم بالقتل والتعذيب، وألسنتهم بالسب؛ وودوا لو ارتددتم عن دينكم الذي هو أحب الأشياء إليكم، وهو سبب إخراجهم إياكم‏.‏ قال الزمخشري‏:‏ فإن قلت‏:‏ كيف أورد جواب الشرط مضارعاً مثله، ثم قال ‏{‏وودوا‏}‏ بلفظ الماضي‏؟‏ قلت‏:‏ الماضي، وإن كان يجري في باب الشرط مجرى المضارع في علم الإعراب، فإنه فيه نكتة كأنه قيل‏:‏ وودوا قبل كل شيء كفركم وارتدادكم، يعني أنهم يريدون أن يلحقوا بكم مضار الدنيا والدين جميعاً‏.‏ انتهى‏.‏ وكأن الزمخشري فهم من قوله‏:‏ ‏{‏وودوا‏}‏ أنه معطوف على جواب الشرط، فجعل ذلك سؤالاً وجواباً‏.‏ والذي يظهر أن قوله‏:‏ ‏{‏وودوا‏}‏ ليس على جواب الشرط، لأن ودادتهم كفرهم ليست مترتبة على الظفر بهم والتسلط عليهم، بل هم وادون كفرهم على كل حال، سواء أظفروا بهم أم لم يظفروا، وإنما هو معطوف على جملة الشرط والجزاء، أخبر تعالى بخبرين‏:‏ أحدهما اتضاح عداوتهم والبسط إليهم ما ذكر على تقدير الظفر بهم، والآخر ودادتهم كفرهم، لا على تقدير الظفر بهم‏.‏

ولما كان حاطب قد اعتذر بأن له بمكة قرابة، فكتب إلى أهلها بما كتب ليرعوه في قرابته، قال تعالى‏:‏ ‏{‏لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم‏}‏‏:‏ أي قراباتكم الذين توالون الكفار من أجلهم، وتتقربون إليهم محاماة عليهم‏.‏ ويوم معمول لينفعكم أو ليفصل‏.‏ وقرأ الجمهور؛ ‏{‏يفصل‏}‏ بالياء مخففاً مبنياً للمفعول‏.‏ وقرأ الأعرج وعيسى وابن عامر‏:‏ كذلك إلا أنه مشدد، والمرفوع، إما ‏{‏بينكم‏}‏، وهو مبني على الفتح لإضافته إلى مبني، وإما ضمير المصدر المفهوم من يفصل، أي يفصل هو، أي الفصل‏.‏ وقرأ عاصم والحسن والأعمش‏:‏ يفصل بالياء مخففاً مبنياً للفاعل؛ وحمزة والكسائي وابن وثاب‏:‏ مبنياً للفاعل بالياء مضمومة مشدداً؛ وأبو حيوة وابن أبي عبلة‏:‏ كذلك إلا أنه بالنون مشدداً؛ وهما أيضاً وزيد بن علي‏:‏ بالنون مفتوحة مخففاً مبنياً للفاعل؛ وأبو حيوة أيضاً‏:‏ بالنون مضمومة، فهذا ثماني قراءات‏.‏

ولما نهى عن موالاة الكفار، ذكر قصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وأن من سيرته التبرؤ من الكفار ليقتدوا به في ذلك ويتأسوا‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ إسوة بكسر الهمزة، وعاصم بضمها، وهما لغتان‏.‏ ‏{‏والذين معه‏}‏، قيل‏:‏ من آمن به‏.‏ وقال الطبري وغيره‏:‏ الأنبياء معاصروه، أو كانوا قريباً من عصره، لأنه لم يرو أنه كان له أتباع مؤمنون في مكافحته لهم ولنمروذ‏.‏ ألا تراه قال لسارة حين رحل إلى الشام مهاجراً من بلد نمروذ‏:‏ ما على الأرض من يعبد الله غيري وغيرك‏؟‏ والتأسي بإبراهيم عليه السلام هو في التبرؤ من الشرك، وهو في كل ملة وبرسولنا عليه الصلاة والسلام على الإطلاق في العقائد وأحكام الشرع‏.‏ وقرأ الجمهور؛ ‏{‏برآء‏}‏ جمع بريء، كظريف وظرفاء؛ وعيسى‏:‏ براء جمع بريء أيضاً، كظريف وظراف؛ وأبو جعفر‏:‏ بضم الباء، كتؤام وظؤار، وهم اسم جمع الواحد بريء وتوأم وظئر، ورويت عن عيسى‏.‏ قال أبو حاتم‏:‏ زعموا أن عيسى الهمداني رووا عنه براء على فعال، كالذي في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إنني برآء مما تعبدون‏}‏ في الزخرف، وهو مصدر على فعال يوصف به المفرد والجمع‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ وبراء على إبدال الضم من الكسر، كرخال ورباب‏.‏ انتهى‏.‏ فالضمة في ذلك ليست بدلاً من كسرة، بل هي ضمة أصلية، وهو قريب من أوزان أسماء الجموع، وليس جمع تكسير، فتكون الضمة بدلاً من الكسرة، إلا قول إبراهيم استثناء من قوله‏:‏ ‏{‏أسوة حسنة‏}‏، قاله قتادة والزمخشري‏.‏ قال مجاهد وقتادة وعطاء الخراساني وغيرهم‏:‏ المعنى أن الأسوة لكم في هذا الوجه لا في الوجه الآخر، لأنه كان لعلمه ليست في نازلتكم‏.‏

وقال الزمخشري‏:‏ فإن قلت‏:‏ فإن كان قوله‏:‏ ‏{‏لأستغفرن لك‏}‏ مستثنى من القول الذي هو ‏{‏أسوة حسنة‏}‏، فما بال قوله‏:‏ ‏{‏فما أملك لك من الله من شيء‏}‏، وهو غير حقيق بالاستثناء‏؟‏ ألا ترى إلى قوله‏:‏ ‏{‏فمن يملك لكم من الله شيئاً‏}‏‏؟‏ قلت‏:‏ أراد استثناء جملة قوله لأبيه، والقصد إلى موعد الاستغفار له وما بعده مبني عليه وتابع له، كأنه قال‏:‏ أنا أستغفر لك وما في طاقتي إلا الاستغفار‏.‏ انتهى‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ أولاً بعد أن ذكر أن الاستثناء هو من قوله‏:‏ ‏{‏أسوة حسنة‏}‏ في مقالات قال‏:‏ لأنه أراد بالأسوة الحسنة، فهو الذي حق عليهم أن يأتسوا به ويتخذوه سنة يستنون بها‏.‏ انتهى‏.‏ والذين يظهر أنه مستثنى من مضاف لإبراهيم تقديره‏:‏ أسوة حسنة في مقالات إبراهيم ومحاوراته لقومه إلا قول إبراهيم لأبيه ‏{‏لأستغفرن لك‏}‏، فليس فيه أسوة حسنة، فيكون على هذا استثناء متصلاً‏.‏

وأما أن يكون قول إبراهيم مندرجاً في أسوة حسنة، لأن معنى الأسوة هو الاقتداء والتأسي، فالقول ليس مندرجاً تحته، لكنه مندرج تحت مقالات إبراهيم عليه السلام‏.‏ وقال ابن عطية‏:‏ ويحتمل أن يكون الاستثناء من التبري والقطيعة التي ذكرت، لم تبق جملة إلا كذا‏.‏ انتهى‏.‏ وقيل‏:‏ هو استثناء منقطع المعنى، لكن قول إبراهيم لأبيه ‏{‏لأستغفرن لك‏}‏، فلا تأسوا به فيه فتستغفروا وتفدوا آباءكم الكفار بالاستغفار‏.‏ ‏{‏ربنا عليك توكلنا‏}‏ وما بعده، الظاهر أنه من تمام قول إبراهيم متصلاً بما قبل الاستثناء، وهو من جملة ما يتأسى به فيه، وفصل بينهما بالاستثناء اعتناء بالاستثناء ولقربه من المستثنى منه، ويجوز أن يكون أمراً من الله للمؤمنين، أي قولوا ربنا عليك توكلنا، علمهم بذلك قطع العلائق التي بينهم وبين الكفار‏.‏

‏{‏ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا‏}‏، قال ابن عباس‏:‏ لا تسلطهم علينا فيسبوننا ويعذبوننا‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ لا تعذبنا بأيديهم أو بعذاب من عندك، فيظنوا أنهم محقون وأنا مبطلون، فيفتنوا لذلك‏.‏ وقال قريباً منه قتادة وأبو مجلز، وقول ابن عباس أرجح لأنه دعاء لأنفسهم، وعلى قول غيره دعاء للكافرين، والضمير في فيهم عائد على إبراهيم والذين معه، وكررت الأسوة تأكيداً، وأكد ذلك بالقسم أيضاً، ولمن يرجو بدل من ضمير الخطاب، بدل بعض من كل‏.‏

وروي أنه لما نزلت هذه الآية، عزم المسلمون على إظهار عداوات أقربائهم الكفار، ولحقهم هم لكونهم لم يؤمنوا حتى يتوادوا، فنزل ‏{‏عسى الله‏}‏ الآية مؤنسة ومرجئة، فأسلم الجميع عام الفتح وصاروا إخواناً‏.‏ ومن ذكر أن هذه المودة هي تزويج النبي صلى الله عليه وسلم أم حبيبة بنت أبي سفيان، وأنها كانت بعد الفتح فقد أخطأ، لأن تزويجها كان وقت هجرة الحبشة، وهذه الآيات سنة ست من الهجرة، ولا يصح ذلك عن ابن عباس إلا أن يسوقه مثالاً، وإن كان متقدماً لهذه الآية، لأنه استمر بعد الفتح كسائر ما نشأ من المودات، قاله ابن عطية‏.‏ وعسى من الله تعالى واجبة الوقوع، ‏{‏والله قدير‏}‏ على تقليب القلوب وتيسير العسير، ‏{‏والله غفور‏}‏ لمن أسلم من المشركين‏.‏

‏{‏لا ينهاكم الله‏}‏ الآية، قال مجاهد‏:‏ نزلت في قوم بمكة آمنوا ولم يهاجروا، فكانوا في رتبة سوء لتركهم فرض الهجرة‏.‏ وقيل‏:‏ في مؤمنين من أهل مكة وغيرها تركوا الهجرة‏.‏ وقال الحسن وأبو صالح‏:‏ في خزاعة وبين الحارث بن كعب وكنانة ومزينة وقبائل من العرب، كانوا مظاهرين للرسول محبين فيه وفي ظهوره‏.‏ وقيل‏:‏ فيمن لم يقاتل، ولا أخرج ولا أظهر سوأ من كفار قريش‏.‏ وقال قرة الهمداني وعطية العوفي‏:‏ في قوم من بني هاشم منهم العباس‏.‏ وقال عبد الله بن الزبير‏:‏ في النساء والصبيان من الكفرة‏.‏ وقال النحاس والثعلبي‏:‏ أراد المستضعفين من المؤمنين الذين لم يستطيعوا الهجرة‏.‏

وقيل‏:‏ قدمت على أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنه أمّها نفيلة بنت عبد العزى، وهي مشركة، بهدايا، فلم تقبلها ولم تأذن لها بالدخول، فنزلت الآية، فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تدخلها منزلها وتقبل منها وتكفيها وتحسن إليها‏.‏ قال ابن عطية‏:‏ وكانت المرأة فيما روي خالتها فسمتها أمّاً؛ وفي التحرير‏:‏ أن أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه طلق امرأته نفيلة في الجاهلية، وهي أم أسماء بنت أبي بكر، فقدمت في المدة التي فيها الهدنة وأهدت إلى أسماء قرطاً وأشياء، فكرهت أن تقبل منها، فنزلت الآية‏.‏ و‏{‏أن تبروهم‏}‏، و‏{‏أن تولوهم‏}‏ بدلان مما قبلهما، بدل اشتمال‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏10- 13‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآَتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آَتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ‏(‏10‏)‏ وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآَتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ ‏(‏11‏)‏ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏12‏)‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآَخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ ‏(‏13‏)‏‏}‏

كان صلح الحديبية قد تضمن أن من أتى أهل مكة من المسلمين لم يرد إليهم، ومن أتى المسلمين من أهل مكة رد إليهم، فجاءت أم كلثوم، وهي بنت عقبة بن أبي معيط، وهي أول امرأة هاجرت بعد هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم في هدنة الحديبية، فخرج في أثرها أخواها عمارة والوليد، فقالا‏:‏ يا محمد أوف لنا بشرطنا، فقالت‏:‏ يا رسول الله حال النساء إلى الضعف، كما قد علمت، فتردني إلى الكفار يفتنوني عن ديني ولا صبر لي، فنقض الله العهد في النساء، وأنزل فيهن الآية، وحكم بحكم رضوه كلهم‏.‏ وقيل‏:‏ سبب نزولها سبيعة بنت الحارث الأسلمية، جاءت الحديبية مسلمة، فأقبل زوجها مسافر المخدومي‏.‏ وقيل‏:‏ صيفي بن الراهب، فقال‏:‏ يا محمد اردد علي امرأتي، فإنك قد شرطت لنا أن ترد علينا من أتاك منا، وهذه طينة الكتاب لم تجف، فنزلت بياناً أن الشرط إنما كان في الرجال دون النساء‏.‏ وذكر أبو نعيم الأصبهاني أن سبب نزولها أميمة بنت بشر بن عمرو بن عوف، امرأة حسان بن الدحداحة، وسماهن تعالى مؤمنات قبل أن يمتحن، وذلك لنطقهن بكلمة الشهادة، ولم يظهر منهن ما ينافي ذلك، أو لأنهن مشارفات لثبات إيمانهن بالامتحان‏.‏

وقرئ‏:‏ مهاجرات بالرفع على البدل من المؤمنات، وامتحانهن، قالت عائشة‏:‏ بآية المبايعة‏.‏ وقيل‏:‏ بأن بشهدن أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ بالحلف إنها ما خرجت إلا حباً لله ورسوله ورغبة في دين الإسلام‏.‏ وقال ابن عباس أيضاً ومجاهد وقتادة وعكرمة‏:‏ كانت تستحلف أنها ما هاجرت لبغض في زوجها، ولا لجريرة جرتها، ولا لسبب من أغراض الدنيا سوى حب الله ورسوله والدار الآخرة‏.‏ ‏{‏الله أعلم بإيمانهن‏}‏‏:‏ لأنه تعالى هو المطلع على أسرار القلوب ومخبآت العقائد، ‏{‏فإن علمتموهن‏}‏‏:‏ أطلق العلم على الظن الغالب بالحلف وظهور الإمارات بالخروج من الوطن، والحلول في قوم ليسوا من قومها، وبين انتفاء رجعهن إلى الكفار أزواجهن، وذلك هو التحريم بين المسلمة والكافر‏.‏

وقرأ طلحة‏:‏ لا هن يحلان لهم، وانعقد التحريم بهذه الجملة، وجاء قوله‏:‏ ‏{‏ولا هم يحلون لهن‏}‏ على سبيل التأكيد وتشديد الحرمة، لأنه إذا لم تحل المؤمنة للكافر، علم أنه لا حل بينهما البتة‏.‏ وقيل‏:‏ أفاد قوله‏:‏ ‏{‏ولا هم يحلون لهن‏}‏ استمرار الحكم بينهم فيما يستقبل، كما هو في الحال ما داموا على الإشراك وهن على الإيمان‏.‏ ‏{‏وآتوهم ما أنفقوا‏}‏‏:‏ أمر أن يعطي الزوج الكافر ما أنفق على زوجته إذا أسلمت، فلا يجمع عليه خسران الزوجية والمالية‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعد إمتحانها زوجها الكافر، ما أنفق عليها، فتزوجها عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وكان إذا امتحنهن، أعطى أزواجهن مهورهن‏.‏

وقال قتادة‏:‏ الحكم في رد الصداق إنما كان في نساء أهل العهد، فأما من لا عهد بينه وبين المسلمين، فلا يرد عليه الصداق، والأمر كما قال قتادة، ثم نفى الحرج في نكاح المؤمنين اياهن إذا آتوهن مهورهن، ثم أمر تعالى المؤمنين بفراق نسائهن الكوافر عوابد الأوثان‏.‏

وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏تمسكوا‏}‏ مضارع أمسك، كأكرم؛ وأبو عمرو ومجاهد‏:‏ بخلاف عنه؛ وابن جبير والحسن والأعرج‏:‏ مضارع مسك مشدّداً؛ والحسن أيضاً وابن أبي ليلى وابن عامر في رواية عبد الحميد وأبو عمرو في رواية معاذ‏:‏ تمسكوا بفتح الثلاثة، مضارع تمسك محذوف الثاني بتمسكوا؛ والحسن أيضاً‏:‏ تمسكوا بكسر السين، مضارع مسك ثلاثياً‏.‏ وقال الكرخي‏:‏ ‏{‏الكوافر‏}‏، يشمل الرجال والنساء، فقال له أبو علي الفارسي‏:‏ النحويون لا يرون هذا إلا في النساء، جمع كافرة، وقال‏:‏ أليس يقال‏:‏ طائفة كافرة وفرقة كافرة‏؟‏ قال أبو علي‏:‏ فبهت فقلت‏:‏ هذا تأييد‏.‏ انتهى‏.‏ وهذا الكرخي معتزلي فقيه، وأبو علي معتزلي، فأعجبه هذا التخريج، وليس بشيء لأنه لا يقال كافرة في وصف الرجال إلا تابعاً لموصوفها، أو يكون محذوفاً مراداً، أما بغير ذلك فلا يجمع فاعلة على فواعل إلا ويكون للمؤنث‏.‏ والعصم جمع عصمة، وهي سبب البقاء في الزوجية‏.‏ ‏{‏واسألوا ما أنفقتم‏}‏‏:‏ أي واسألوا الكافرين ما أنفقتم على أزواجكم إذا فروا إليهم، ‏{‏وليسألوا‏}‏‏:‏ أي الكفار ما أنفقوا على أزواجهم إذ فروا إلى المؤمنين‏.‏

ولما تقرر هذا الحكم، قالت قريش، فيما روي‏:‏ لا نرضى هذا الحكم ولا نلتزمه ولا ندفع لأحد صداقاً، فنزلت بسبب ذلك هذه الآية الأخرى‏:‏ ‏{‏وإن فاتكم‏}‏، فأمر تعالى المؤمنين أن يدفعوا من فرت زوجته من المسلمين، ففاتت بنفسها إلى الكفار وانقلبت من الإسلام، ما كان مهرها‏.‏ قال الزمخشري‏:‏ فإن قلت‏:‏ هل لإيقاع شيء في هذا الموضوع فائدة‏؟‏ قلت‏:‏ نعم، الفائدة فيه أن لا يغادر شيء من هذا الجنس، وإن قل وحقر، غير معوض منه تغليظاً في هذا الحكم وتشديداً فيه‏.‏ انتهى‏.‏ واللاتي ارتددن من نساء المهاجرين ولحقن بالكفار‏:‏ أم الحكم بنت أبي سفيان، زوج عياض بن شداد الفهري؛ وأخت أم سلمة فاطمة بنت أبي أمية، زوج عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه؛ وعبدة بنت عبد العزى، زوج هشام بن العاصي؛ وأم كلثوم بنت جرول، زوج عمر أيضاً‏.‏ وذكر الزمخشري أنهن ست، فذكر‏:‏ أم الحكم، وفاطمة بنت أبي أمية زوج عمر بن الخطاب، وعبدة وذكر أن زوجها عمرو بن ود، وكلثوم، وبروع بنت عقبة كانت تحت شماس بن عثمان، وهند بنت أبي جهل كانت تحت هشام بن العاصي، أعطى أزواجهن رسول الله صلى الله عليه وسلم مهورهن من الغنيمة‏.‏

وقرأ الجمهور ‏{‏فعاقبتم‏}‏ بألف؛ ومجاهد والزهري والأعرج وعكرمة وحميد وأبو حيوة والزعفراني‏:‏ بشد القاف؛ والنخعي والأعرج أيضاً وأبو حيوة أيضاً والزهري أيضاً وابن وثاب‏:‏ بخلاف عنه بخف القاف مفتوحة؛ ومسروق والنخعي أيضاً والزهري أيضاً‏:‏ بكسرها؛ ومجاهد أيضاً‏:‏ فاعقبتم على وزن افعل، يقال‏:‏ عاقب الرجل صاحبه في كذا، أي جاء فعل كل واحد منهما يعقب فعل الآخر، ويقال‏:‏ أعقب، قال‏:‏

وحادرت البلد الحلاد ولم يكن *** لعقبة قدر المستعيرين يعقب

وعقب‏:‏ أصاب عقبى، والتعقيب‏:‏ غزو إثر غزو، وعقب بفتح القاف وكسرها مخففاً‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ فعاقبتم من العقبة، وهي النوبة‏.‏ شبه ما حكم به على المسلمين والكافرين من أداء هؤلاء مهور نساء أولئك تارة، وأولئك مهور نساء هؤلاء أخرى، بأمر يتعاقبون فيه، كما يتعاقب في الركوب وغيره، ومعناه‏:‏ فجاءت عقبتكم من أداء المهر‏.‏ ‏{‏فآتوا‏}‏ من فاتته امرأته إلى الكفار مثل مهرها من مهر المهاجرة، ولا يؤتوه زوجها الكافر، وهكذا عن الزهري، يعطي من صداق من لحق بهم‏.‏ ومعنى أعقبتم‏:‏ دخلتم في العقبة، وعقبتم من عقبه إذا قفاه، لأن كل واحد من المتعاقبين يقفي صاحبه، وكذلك عقبتم بالتخفيف، يقال‏:‏ عقبه يعقبه‏.‏ انتهى‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ فعاقبتم‏:‏ قاضيتموهم في القتال بعقوبة حتى غنمتم، وفسر غيرها من القراءات‏:‏ لكانت العقبى لكم‏:‏ أي كانت الغلبة لكم حتى غنمتم والكفار من قوله‏:‏ ‏{‏إلى الكفار‏}‏، ظاهره العموم في جميع الكفار، قاله قتادة ومجاهد‏.‏ قال قتادة‏:‏ ثم نسخ هذا الحكم‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ يعطى من الغنيمة قبل أن تخمس‏.‏ وقال الزهري‏:‏ من مال الفيء؛ وعنه‏:‏ من صداق من لحق بنا‏.‏ وقيل‏:‏ الكفار مخصوص بأهل العهد‏.‏ وقال الزهري‏:‏ اقتطع هذا يوم الفتح‏.‏ وقال الثوري‏:‏ لا يعمل به اليوم‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ كان في عهد الرسول فنسخ‏.‏ وقال ابن عطية‏:‏ هذه الآية كلها قد ارتفع حكمها‏.‏ وقال أبو بكر بن العربي القاضي‏:‏ كان هذا حكم الله مخصوصاً بذلك الزمان في تلك النازلة بإجماع الأمة‏.‏ وقال القشيري‏:‏ قال قوم هو ثابت الحكم إلى الآن‏.‏

‏{‏يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك‏}‏‏:‏ كانت بيعة النساء في ثاني يوم الفتح على جبل الصفاء، بعدما فرغ من بيعة الرجال، وهو على الصفا وعمر أسفل منه يبايعهن بأمره ويبلغهن عنه، وما مست يده عليه الصلاة والسلام يد امرأة أجنبية قط‏.‏ وقالت أسماء بنت يزيد بن السكن‏:‏ ‏"‏ كنت في النسوة المبايعات، فقلت‏:‏ يا رسول الله ابسط يدك نبايعك، فقال لي عليه الصلاة والسلام‏:‏ «إني لا أصافح النساء لكن آخذ عليهن ما أخذ الله عليهن» وكانت هند بنت عتبة في النساء، فقرأ عليهن الآية‏.‏ فلما قررهن على أن لا يشركن بالله شيئاً، قالت هند‏:‏ وكيف نطمع أن تقبل منا ما لم تقبله من الرجال‏؟‏ تعني أن هذا بين لزومه‏.‏ فلما وقف على السرقة قالت‏:‏ والله إني لأصيب الهنة من مال أبي سفيان، لا أدري أيحل لي ذلك‏؟‏ فقال أبو سفيان‏:‏ ما أصبت من شيء فيما مضى وفيما عبر فهو لك حلال، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفها، فقال لها‏:‏ «وإنك لهند بنت عتبة» قالت‏:‏ نعم، فاعف عما سلف يا نبي الله عفا الله عنك‏.‏ فقال‏:‏ ‏{‏ولا يزنين‏}‏، فقالت‏:‏ أوتزني الحرة‏؟‏ قال‏:‏ ‏{‏ولا يقتلن أولادهن‏}‏، فقالت‏:‏ ربيناهم صغاراً وقتلتهم كباراً، وكان ابنها حنظلة بن أبي سفيان قتل يوم بدر، فضحك عمر رضي الله تعالى عنه حتى استلقى، وتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال‏:‏ ‏{‏ولا يأتين ببهتان‏}‏، فقالت‏:‏ والله إن البهتان لأمر قبيح، ولا يأمر الله إلا بالرشد ومكارم الأخلاق‏.‏ فقال‏:‏ ‏{‏ولا يعصينك في معروف‏}‏، فقالت‏:‏ والله ما جلسنا مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصيك في شيء ‏"‏

ومعنى قول هند‏:‏ أو تزني الحرة أنه كان في قريش في الإماء غالباً، وإلا فالبغايا ذوات الربات قد كن حرائر‏.‏ وقرأعليّ والحسن والسلمي‏:‏ ولا يقتلن مشدداً، وقتلهن من أجل الفقر والفاقة، وكانت العرب تفعل ذلك‏.‏ والبهتان، قال الأكثرون‏:‏ أن تنسب إلى زوجها ولداً ليس منه، وكانت المرأة تلتقط المولود فتقول لزوجها‏:‏ هو ولدي منك‏.‏ ‏{‏بين أيديهن وأرجلهن‏}‏‏:‏ لأن بطنها الذي تحمله فيه بين اليدين، وفرجها الذي تلده به بين الرجلين‏.‏ وروى الضحاك‏:‏ البهتان‏:‏ العضة، لأنها إذا قذفت المرأة غيرها، فقد بهتت ما بين يدي المقذوفة ورجليها، إذ نفت عنها ولداً قد ولدته، أو ألحقت بها ولداً لم تلده‏.‏ وقيل‏:‏ البهتان‏:‏ السحر‏.‏ وقيل‏:‏ بين أيديهن ألسنتهن بالنميمة، وأرجلهن؛ فروجهن‏.‏ وقيل‏:‏ بين أيديهن قبله أو جسة، وأرجلهن الجماع‏.‏ ومن البهتان الفرية بالقول على أحد من الناس، والكذب فيما اؤتمنّ عليه من حمل وحيض، والمعروف الذي نهى عن العصيان فيه، قال ابن عباس وأنس وزيد بن أسلم‏:‏ هو النوح وشق الجيوب ووشم الوجوه ووصل الشعر، وغير ذلك من أوامر الشريعة فرضها وندبها‏.‏ وروي أن قوماً من فقراء المسلمين كانوا يواصلون اليهود ليصيبوا من ثمارهم، فقيل لهم‏:‏ لا تتولوا قوماً مغضوباً عليهم وعلى أنهم اليهود، فسرهم الحسن وابن زيد ومنذر بن سعيد، لأن غضب الله قد صار عرفاً لهم‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ كفار قريش، لأن كل كافر عليه غضب من الله‏.‏ وقيل‏:‏ اليهود والنصارى‏.‏

‏{‏قد يئسوا من الآخرة‏}‏، قال ابن عباس‏:‏ من خيرها وثوابها‏.‏ والظاهر أن من في ‏{‏من أصحاب القبور‏}‏ لابتداء الغاية، أي لقاء أصحاب القبور‏.‏ فمن الثانية كالأولى من الآخرة‏.‏ فالمعنى أنهم لا يلقونهم في دار الدنيا بعد موتهم‏.‏ وقال ابن عرفة‏:‏ هم الذين قالوا‏:‏ ما يهلكنا إلا الدهر‏.‏ انتهى‏.‏ والكفار على هذا كفار مكة، لأنهم إذا مات لهم حميم قالوا‏:‏ هذا آخر العهد به، لن يبعث أبداً، وهذا تأويل ابن عباس وقتادة والحسن‏.‏

وقيل‏:‏ من لبيان الجنس، أي الكفار الذين هم أصحاب القبور، والمأيوس منه محذوف، أي كما يئس الكفار المقبورون من رحمة الله، لأنه إذا كان حياً لم يقبر، كان يرجى له أن لا ييأس من رحمة الله، إذ هو متوقع إيمانه، وهذا تأويل مجاهد وابن جبير وابن زيد‏.‏ وقال ابن عطية‏:‏ وبيان الجنس أظهر‏.‏ انتهى‏.‏ وقد ذكرنا أن الظاهر كون من لابتداء الغاية، إذ لا يحتاج الكلام إلى تقدير محذوف‏.‏ وقرأ ابن أبي الزناد‏:‏ كما يئس الكافر على الإفراد‏.‏ والجمهور‏:‏ على الجمع‏.‏ ولما فتح هذه السورة بالنهي عن اتخاذ الكفار أولياء، ختمها بمثل ذلك تأكيداً لترك موالاتهم وتنفير المسلمين عن توليهم وإلقاء المودّة إليهم‏.‏